تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
وكذلك قوله : ( ما كان أبوك أمرأ سوء وما كانت أمك بغيا " ) ، وقوله : ( ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا " ) فإن مريم كأنها قالت : إني تفكرت في أزمنة وجودي ومثلتها عليه في عيني : ( لم أك بغيا ) فهو أبلغ في التنزيه ، فلا يظن ظان أنها تنفي نفيا كليا " ، مع أنها نسيت بعض أزمنة وجودها ، وأما هم لما قالوا : ( وما كانت أمك بغيا ) ما كان يمكنهم أن يقولوا : نحن تصورنا كل زمان من أزمنة وجود أمك ، وتنفي عن كل واحد منها كونها بغيا ، لأن أحدا " لا يلازم غيره ، فيعلم كل زمان من أزمنة وجوده ، وإنما قالوا لها : إن أمك اشتهرت عند الكل ، حتى حكموا عليها حكما " واحدا " عاما " أنها ما بغت في شئ من أزمنة وجودها . وكذلك قوله تعالى : ( ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ) . وقوله : ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا " ) ، فإنه سبحانه لما قال : ( بظلم ) كان سبب حسن الهلاك قائما ، وأما الظلم فكان يتوقع في كل زمن الهلاك ، سواء كانوا غافلين أم لا ، لكن الله برحمته يمسك عنهم في كل زمان وافقته غفلتهم . واما قوله : ( وأهلها غافلون ) وإن جد الظلم لكن لم يبق سببا " مع الإصلاح ، فبقي النفي العام بعدم تحقيق المقتضى في كل زمان . وكذلك قوله : ( وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) ، لأنه لما لم يذكر الظلم لم يتوقع الهلاك ، فلم يبق متكررا " في كل زمان . وكذلك قوله : ( ذلك بأن الله لم يك مغيرا " نعمة " أنعمها أبي على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) . وقوله : ( وما كان الله معذبهم ) ذكر عند ذكر النعمة لم يكن إشارة