وهكذا حكم جميع قضائه ، وحكمه على طرقه التي أتت عليه ، وإنما يدرك الطالب من
ذلك بقدر اجتهاده وبذل وسعه ، ويبلغ منه الراغب فيه حيث بلغه ربه تبارك وتعالى ، لأنه
واهب النعم ، ومقدر القسم .
وهذا البيان من العلم جليل ، وحظه من اليقين جزيل ، وقد نبهنا صلى الله عليه وسلم
على هذا المطلب في مواضع كثيرة من خطابه .
منها ، حين ذكر ما أعد الله تعالى لأوليائه في الجنة فقال : ( فيها ما لا عين رأت ،
ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، بله ما اطلعتم عليه ) ، ثم قال : ( اقرأوا إن
شئتم : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) .
ومنها ، قالوا : يا رسول الله ، ألا نتكل وندع العمل ؟ فقال : ( اعملوا فكل ميسر
لما خلق له ) ، ثم قرأ : ( فأما من أعطى واتقى . وصدق بالحسنى . فسنيسره لليسرى .
وأما من بخل واستغنى . وكذب بالحسنى . فسنيسره للعسرى ) .
ووصف الجنة فقال : ( فيها شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ، ولا يقطعها )
ثم قال : ( اقرأوا إن شئتم : ( وظل ممدود ) ) .
فأعلمهم مواضع حديثه من القرآن ، ونبههم على مصداق خطابه من الكتاب ،
ليستخرج علماء أمته معاني حديثه طلبا لليقين ، ولتستبين لهم السبيل ، حرصا منه عليه السلام
على أن يزيل عنهم الارتياب ، وأن يرتقوا في الأسباب . ثم بدأ رضي الله عنه بحديث
( إنما الأعمال بالنيات ) وقال : موضعه نصا في قوله تعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا
له فيها ما نشاء لمن نريد ) إلى قوله : ( فأولئك كان سعيهم مشكورا " ) .
البرهان — صفحة 130
مساهمون: الزركشي
ص١٣٠