تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
هشاشة " إليه ، ومحبة له . وإن كان جاحدا وجد فيه مع تلك الروعة نفورا وعيا ، لانقطاع مادته بحسن سمعه . ومنها أنه لم يزل ولا يزال ولا يزال غضا طريا " في أسماع السامعين ، وعلى ألسنة القارئين . ومنها ما ينتشر فيه عند تلاوته من إنزال الله إياه في صورة كلام هو مخاطبة من الله لرسوله تارة " ، ومخاطبة أخرى لخلقه ، لا في صورة كلام يستمليه من نفسه من قد قذف في قلبه ، وأوحى إليه ما شاء أن يلقيه إلى عباده على لسانه ، فهو يأتي بالمعاني التي ألهمها بألفاظه التي يكسوها إياه ، كما يشاهد من الكتب المتقدمة . ومنها جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادين ، لا يجتمعان غالبا في كلام البشر ، لأن الجزالة من الألفاظ التي لا توجد إلا بما يشوبها من القوة وبعض الوعورة ، والعذوبة منها ما يضادها من السلاسة والسهولة ، فمن نحا نحو الصورة الأولى فإنما يقصد الفخامة والروعة في الأسماع ، مثل الفصحاء من الأعراب ، وفحول الشعراء منهم ، ومن نحا نحو الثانية قصد كون الكلام في السماع أعذب وأشهى وألذ ، مثل أشعار المخضرمين ومن داناهم من المولدين المتأخرين . وترى ألفاظ القرآن قد جمعت في نظمه كلتا الصفتين ، وذلك من أعظم وجوه البلاغة والإعجاز . ومنها جعله آخر الكتب غنيا عن غيره ، وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد يحتاج إلى بيان يرجع فيه إليه ، كما قال تعالى : ( هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه مختلفون ) .
البرهان — صفحة 107 | الزركشي / محمد أبو الفضل إبراهيم