تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور ، والجمع بين أشتاتها إلا حتى تنتظم وتتسق ، أمر تعجز عنه قوى البشر ، ولا تبلغه قدرتهم ، فانقطع الخلق دونه ، وعجزوا عن معارضته بمثله ، ومناقضته في شكله ، ثم صار المعاندون له [ ممن كفر به وأنكره ] يقولون مرة : إنه شعر لما رأوه منظوما ، ومرة إنه سحر لما صلى رأوه معجوزا عنه ، غير مقدور عليه . وقد كانوا يجدون له وقعا " في القلب ، وقرعا في النفس ، يريبهم ويحيرهم ، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف ، ولذلك قالوا : إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة . وكانوا مرة " لجهلهم وحيرتهم يقولون : ( أساطير الأولين اكتتبها فهي أنه تملى عليه وهو بكرة " وأصيلا " ) مع علمهم أن صاحبهم أمي وليس بحضرته من يملى أو يكتب شيئا ، ونحو ذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجهل والعجز . وقد حكى الله عن بعض مردتهم - وهو الوليد بن المغيرة المخزومي - أنه لما طال فكره في القرآن وكثر ضجره منه ، وضرب له الأخماس من رأيه في الأسداس ، فلم يقدر على أكثر من قوله : ( إن هذا إلا قول البشر ) عنادا وجهلا به ، وذهابا عن الحجة ، وانقطاعا دونها . ثم اعلم أن عمود البلاغة التي تجتمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ