تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
والجواب أن الحكم والأمثال تصور المعاني تصور الأشخاص ; فإن الأشخاص والأعيان أثبت في الأذهان ، لاستعانة الذهن فيها بالحواس : بخلاف المعاني المعقولة ; فإنها مجردة عن الحس ولذلك دقت ; ولا ينتظم مقصود التشبيه والتمثيل إلا بأن يكون المثل المضروب مجربا مسلما عند السامع . وفى ضرب الأمثال من تقرير المقصود مالا يخفى ; إذ الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي ، والشاهد بالغائب ، فالمرغب هذا في الإيمان مثلا إذا مثل له بالنور تأكد في قلبه المقصود ، والمزهد في الكفر إذا مثل له بالظلمة تأكد قبحه في نفسه . وفيه أيضا تبكيت الخصم ، وقد أكثر تعالى في القرآن وفى سائر كتبه من الأمثال وفى سور الإنجيل سورة الأمثال . قال الزمخشري : التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعاني ، وإدناء المتوهم من المشاهد ; فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله ، وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك ; فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إلا بأمر استدعته حال الممثل له ، ألا ترى أن الحق لما كان واضحا جليا تمثل له بالضياء والنور ، وأن الباطل لما كان بضده تمثل له بالظلمة ، وكذلك جعل بيت العنكبوت مثلا في الوهن والضعف . والمثل هو المستغرب ، قال الله تعالى : * ( ولله المثل الأعلى ) * ، وقال تعالى : * ( مثل الجنة التي وعد المتقون ) * ; ولما كان المثل السائر فيه غرابة استعير لفظ المثل للحال ، أو الصفة ، أو القصة ، إذا كان لها شأن وفيها غرابة .