واعلم أنّك إنّما خلقت للآخرة لا للدّنيا ، وللفناء لا للبقاء ، وللموت لا للحياة ، وأنّك في منزل قلعة ودار بلغة ، وطريق إلى الآخرة ، وأنّك طريد الموت لا ينجو منه هاربه ، ولا بدّ أنّه مدركه ، فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيّئة ، قد كنت تحدّث نفسك منها بالتّوبة ، فيحول بينك وبين ذلك ، فإذا أنت قد أهلكت نفسك .
شرح
( واعلم انّك انّما خلقت للآخرة لا للدّنيا ) فانّ الدّنيا ممّر ، والآخرة مقرّ ( وللفناء ) أي الموت ( لا للبقاء ) إذ لا يبقى الانسان حيّا دائما ( وللموت لا للحياة ) اما عطف بيان ، أو المراد بالفناء أن يعدم الانسان ، وبالموت ان يموت والفرق بينهما واضح ( وانّك في منزل قلعة ) ينقلع الانسان عنه ، وليس مستقرّا له ( ودار بلغة ) أي دار يؤخذ منها قدر الكفاية للآخرة فهي للبلاغ ، لا للبقاء .
( وطريق إلى الآخرة وانّك طريد الموت ) يطاردك الموت حتّى يصل إليك كما يطارد الصّيّاد الصّيد حتّى يقتضه ( لا ينجو منه هاربه ) أي من هرب منه بالتّحفّظ على صحّته والتّحصّن بالحصون القويّة والاكتناف بالجنود والأسلحة ( ولا بدّ أنّه ) أي الموت ( مدركه ) أي واصل إليه ( فكن منه ) أي : من الموت ( على حذر أن يدركك ) أي يصل إليك ، وحيث انّ لفظة « حذر » أضيف إلى « أن يدركك » لم يدخله ما التّنوين .
« وأنت على حال سيّئة » من معاصي اللَّه سبحانه ( قد كنت تحدّث نفسك منها ) أي من تلك الحال ( بالتّوبة فيحول ) الموت ( بينك وبين ذلك ) الَّذي تحدّثت به نفسك من التّوبة ( فإذا أنت قد أهلكت نفسك ) بسبب المعصية الَّتي لم تتب منها ، وهذا تحذير عن مطلق العصيان ، لأنّ احتمال أن يأخذ الانسان الموت فجئة ، دائمي .