عدت كأحدهم ، بل كأنّي بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم ، فعرفت صفو ذلك من كدره ، ونفعه من ضرره ، فاستخلصت لك من كلّ أمر نخيله ، وتوخّيت جميله ، وصرفت عنك مجهوله ، ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشّفيق ، وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ومقتبل الدّهر ، ذو نيّة سليمة ، ونفس صافية ، وأن
شرح
عدت ) أي صرت ( كأحدهم ) مطَّلعا على أوضاعهم تمام الاطلاع .
( بل كانّى بما انتهى ) أي وصل ( إليّ ) ( من أمورهم قد عمّرت مع أولهم إلى آخرهم ) إذ اجتمع لديّ اخبار جميعهم ( فعرفت صفو ذلك ) الذي انتهى إليّ ( من كدره ) فاية حياتهم كانت صفوا ، وايتها كانت كدرة تشوبها الآلام والمخاوف ( ونفعه من ضرره ) فأي سلوكهم كان ضارا وايه كان نافعا ( فاستخلصت لك من كل أمر نخيله ) أي مختاره المصفّى ( وتوخيت ) أي تحريت وأخرجت لك في هذه الموعظة ( جميله ) الموجب للسعادة والرفاه ( وصرفت عنك مجهوله ) أي لم أبين لك ما يجهل غايته ( ورأيت ) أي نظر لك ( حيث عناني من أمرك ) أي من جهة عنايتي بأمرك ( ما يعنى الوالد الشفيق ) فإنه لا يعنى لولده إلا خيرا ، وانا قصدت ذلك لك .
( وأجمعت ) أي عزمت ( عليه ) الضمير عائد إلى « ما » ( من أدبك ) بيان « ما » أي عزمت على أدبك ( ان يكون ذلك ) النصح والارشاد ( وأنت مقبل العمر ) أي العمر مقبل عليك إذ أنت في أوله ، ويحتمل كون « ان يكون » مفعول « رأيت » ويكون « أجمعت » عطفا على « يعنى » ( ومقتبل الدهر ) أي الدهر مقبل عليك ، إذ الانسان في أول عمره له من النشاط ما يقبل الدهر عليه باعطائه بعض آماله ، في حال كونك ( ذو نيّة سليمة ) لم تختلط بعد بامراص الدنيا النفسية ( ونفس صافية ) لم تكدرها الآلام والشهوات ( وان