أيّ بنيّ ، إنّي لمّا رأيتني قد بلغت سنّا ، ورأيتني أزداد وهنا ، بادرت بوصيّتي إليك ، وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي ، وأن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي ، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدّنيا ، فتكون كالصّعب النّفور . وإنّما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته .
شرح
( أي بنيّ ) « أي » حرف ندا ، وبنى منادى ( اني لمّا رأيتني قد بلغت سنّا ) أي وصلت نهاية عمرى ( ورأيتني ) أي رأيت نفسي ( ازداد وهنا ) أي ضعفا ( بادرت ) أي تعجلت ( بوصيّتي إليك ) بهذه الوصية ( وأوردت خصالا ) جمع خصلة ، وهى الصفة ( منها ) أي من الوصية ( قبل ان يعجل بي أجلى دون ان افضى ) أي القى ( إليك بما في نفسي ) من النصح والارشاد .
( و ) قبل ( ان انقص في رأيي ) فان الانسان إذا شاخ لا يمكنه ان يبين جميع آرائه أو هذا على سبيل العادة ، من نقص الانسان في معلوماته لدى الكبر - وإن كان الإمام منزّها عن ذلك - .
( كما نقصت في جسمي ) فان العمر ينقص منهما ( أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى ) بان يستولى على قلبك ما يغلب من أسباب الهوى ، فيأخذ بمجامع القلب ، ولا يجد الموعظة فيه ، بعد ذلك سبيلا ، وهذا من باب إياك اعني واسمعي يا جارة - لو كان المخاطب الإمام الحسن عليه السّلام ( وفتن الدنيا ) ما يوجب الفتنة منها ( فتكون ) أنت في عدم استماع المواعظ ( كالصعب ) أي كالفرس الذي يصعب ركوبه لتوحشه ( النّفور ) الذي يتنفر ولا يأنس ( وانما قلب الحدث ) أي الشاب ( كالأرض الخالية ) التي لا زرع فيها ( ما القى فيها من شيء ) بيان « ما » الموصولة ( قبلته ) ورتبه وأخرجته نباتا