تخطي إلى المحتوى الرئيسي

توضيح نهج البلاغة — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
ونوّره بالحكمة ، وذلَّله بذكر الموت ، وقرّره بالفناء ، وبصّره فجائع الدّنيا ، وحذّره صولة الدّهر وفحش تقلَّب اللَّيالي والأيّام ، واعرض عليه أخبار الماضين ، وذكَّره بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين ، وسر في ديارهم وآثارهم ، فانظر فيما فعلوا وعمّا انتقلوا ، وأين حلَّوا ونزلوا فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة ، وحلَّوا ديار الغربة ، وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم . فأصلح
شرح
حتى لا يخاف شيئا ( ونوّره بالحكمة ) فان الحكمة وهى معرفة الشريعة توجب نورا في القلب به يبصر الحق والباطل ، والحسن والقبيح . ( وذلَّله بذكر الموت ) فانّ القلب جموح ، فإذا ذكر الموت ذلّ وتواضع ( وقرّره بالفناء ) أي اطلب منه الاقرار بالفناء والموت ( وبصّره فجائع الدنيا ) أي أره مصيبات الدنيا ، حتى لا يركن إليها ( وحذّره صولة الدّهر ) أي هجومه وآلامه حتى يكون على استعداد للآخرة ( وفحش ) أي فاحش ( تقلَّب الليالي والأيام ) فانّ الأيام كثيرة التقلبات من غنى إلى فقر ومن صحّة إلى مرض وهكذا . ( واعرض عليه اخبار الماضين ) الذين مضوا قبلك من الأخيار والأشرار ، ليجتنب عمل الأشرار ، ويقتضي اثر الأخيار ( وذكره بما أصاب من كان قبلك من الأولين ) من أنواع المصائب والعقوبات ، حتى يعرف الدهر تماما ( وسر في ديارهم وآثارهم ) الباقية بعدهم ( فانظروا فيما فعلوا ) من الأبنية والعمارات والبساتين ومصنوعات ، كطاق كسرى وقلعة بعلبك - مثلا - ( وعمّا انتقلوا ) أي عن الأهل والبلاد والآثار . ( وأين حلَّوا ونزلوا ) في القبور ، وديار الفناء ( فانّك تجدهم ) بفكرك وبصيرتك ( قد انتقلوا عن الأحبة ) جمع حبيب ( وحلَّوا ديار الغربة ) فانّ الانسان في المقابر غريب - والمراد غربة جسمه - ( وكانّك عن قليل ) أي : بعد مدّة قليلة ( قد صرت كأحدهم ) في الانتقال عن الدنيا إلى الآخرة ( فاصلح