والاهتمام بما ورائي ، غير أنّي حيث تفرّد بي دون هموم النّاس همّ نفسي ، فصدفني رأيي ، وصرفني عن هواي ، وصرّح لي محض أمري ، فأفضى بي إلى جدّ لا يكون فيه لعب ، وصدق لا يشوبه كذب . ووجدتك بعضي ، بل وجدتك كلَّي ، حتّى كأنّ شيئا لو أصابك أصابني ، وكأنّ الموت لو أتاك أتاني ، فعناني
شرح
( والاهتمام بما ورائي ) أي الَّذي اخلفه ورائي من الدنيا وشؤونها ( غير اني - حيث تفرّد بي ، دون هموم النّاس ، همّ نفسي ) هم نفسي فاعل تفرد . ويأتي متعلق « غير اني » في قوله « كتبت » أو « أوصيك » ( فصدفني ) أي صرفني همّى ( رأيي ) أي اتباع آرائى ، فلا اتبع افكارى الدنيوية ( وصرفني عن هواي ) إذ الهمّ يوجب يقظة الانسان ، حتى لا يتبع هواه ، ويحتمل ان يكون « رائى » فاعل صدفني وصرفني ، فالمراد بالرأي الرأي الصائب والعقل الحصيف .
( وصرّح لي ) أي ظهر لي ( محض أمري ) أي خالصه الذي لا تغشاه الأهواء والميول ( فافضى بي ) أي انتهى رائى الصائب ومحض أمري ( إلى جدّ لا يكون فيه لعب ) لما علمت من بطلان اللعب وسوء عاقبته ( وصدق لا يشوبه كذب ) فان الصادق من كل شيء ما يطابق الواقع الصحيح .
( ووجدتك ) يا بني ، وهذا عطف على « تفرد » أي حيث وجدتك ( بعضي ) فان الولد من بعض الانسان ، لأن جزءا من دمه ينقلب منيّا ، ثمّ ولدا .
( بل وجدتك كلى ) لأن المنى ينفصل عن كل جزء من اجزاء الانسان ، أو باعتبار انّه الباقي بعده والممثّل له ( حتّى كانّ شيئا لو أصابك أصابني ) فانّ الانسان يحس بالألم إذا أصاب ولده شيء ، كما يحس بالألم إذا أصاب نفسه شيء ( وكانّ الموت لو اتاك اتاني ) فكرهى لموتك مثل كرهى لموتي ( فعنانى