ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك في نفسك ، ممّن لا تضيق به الأمور ، ولا تمحّكه الخصوم ولا يتمادى في الزّلَّة ولا يحصر من الفيء إلى الحقّ إذا عرفه ، ولا تشرف نفسه على طمع ، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه وأوقفهم في الشّبهات ، وآخذهم بالحجج ، وأقلَّهم تبرّما بمراجعة الخصم ، وأصبرهم على تكشّف الأمور ، وأصرمهم
شرح
آله وسلَّم .
( ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيتك ) وهذا انتقال من الحكم في الجند إلى الكلام في شؤون القاضي والقاضي ( في نفسك ) بان تطمئنّ به ( ممّن لا تضيق به الأمور ) فيضجر من القضايا والأحكام ( ولا تمحكه ) أي لا تغضبه ( الخصوم ) أي المترافعون ( ولا يتمادى ) أي لا يستمرّ ( في الزّلَّة ) أي السّقطة في الخطأ ، فإذا علم بخطأه رجع .
( ولا يحصر ) أي لا يضيق صدره ( من الفئ إلى الحق ) أي الرجوع إليه ( إذا عرفه ) بعد ان حكم بخلاف الحق ، بخلاف بعض القضاة الذين يتكبرون عن الاعتراف بالخطأ ( ولا تشرف نفسه على طمع ) فيترك الحق لطمع رشوة أو جاه أو ما أشبه ( ولا يكتفى بأدنى فهم ) للأحكام والقضايا ( دون أقصاه ) بالتأمل والغور والتّحقيق ( وأوقفهم ) أي أكثرهم وقوفا ( في الشّبهات ) أي الأحكام والقضايا المشتبهة ، وهذا عطف على قوله : « أفضل » .
( وأخذهم بالحجج ) أي أكثرهم اعتناء وأخذا بالأدلة التي يأتي بها الخصوم لدى المحاكمة ( وأقلهم تبرما ) وضجرا ( بمراجعة الخصم ) فإذا أكثر الخصم من مراجعته لا يتبرم ولا يضجر ( واصبرهم على تكشف الأمور ) فلا يعجل في الحكم ، بل يلطف ويصبر حتى يظهر الأمر الذي يريد ان يحكم فيه ( واصرمهم )