وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة وألزم كلَّا منهم ما ألزم نفسه . واعلم أنّه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظنّ راع برعيّته من إحسانه إليهم ، وتخفيفه المؤونات عليهم ، وترك استكراهه إيّاهم على ما ليس له قبلهم . فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظَّنّ يقطع عنك نصبا طويلا .
شرح
منزلتي بمنزلة الذي لم يتعب ولم يحسن ( وتدريبا لأهل الاسائة على الاسائة ) إذ يقول المسئ ، يظهر انه لا مانع في الاسائة وإلا كنت مكروها لدى الناس ، فلا مانع من الاستمرار في الاسائة ( وألزم كلا منهم ) أي من المحسنين والمسيئين ( ما ألزم نفسه ) باكرام المحسن ، وإهانة المسئ ، فان المحسن باحسانه طلب لنفسه الاكرام ، والمسئ بإساءته طلب لنفسه الإهانة ( واعلم أنه ليس شيء بادعى ) أي بأكثر طلب ودعوة ( إلى حسن ظن راع برعيته ، من احسانه إليهم ) فإذا أحسن إليهم أحبّهم ، لأنه أمن منهم ووثق بمحبتهم له ، فيحبّهم .
( وتخفيفه المؤنات ) أي الصعوبات ( عليهم ) فإنه إذا شدد عليهم في الأمور كرهوه ، فكرههم ، اما إذا خفّف عليهم أحبوه فاحبهم ( وترك استكراهه ) أي أكرهه ( إياهم على ما ليس له قبلهم ) أي عندهم بان لا يكرههم على اتيانهم بشئ والحال انه لا يحق له ذلك ، كان يكرههم على حضور مجلسه دائما ، والحال انه ليس من حق الوالي على الرعية ذلك .
( فليكن منك ) يا مالك ( في ذلك ) الذي ذكرت ( أمر يجتمع لك به ) أي بسببه ( حسن الظن ) من رعيتك إليك ، حتى يظنوا انك لا تريد إلَّا خيرهم ولا تحمّلهم أمرا شاقا ، فإذا فعلت ذلك ( يقطع عنك ) أي يزيل عنك ( نصبا ) وتعبا ( طويلا ) إذ الرعية إذا أساؤا الظن بالوالي ، اوجدوا له في كل يوم