فإنّ رفعة الَّذين يعلمون ما عظمته أن يتواضعوا له ، وسلامة الَّذين يعلمون ما قدرته أن يستسلموا له . فلا تنفروا من الحقّ نفار الصّحيح من الأجرب ، والباري من ذي السّقم . واعلموا أنّكم لن تعرفوا الرّشد حتّى تعرفوا الَّذي تركه ، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتّى تعرفوا الَّذي نقضه ، ولن تمسّكوا به حتّى تعرفوا الَّذي نبذه .
شرح
( فان رفعة الذين يعلمون ما عظمته ) سبحانه ( ان يتواضعوا له ) ففي تواضعهم رفعة لهم ، إذ التواضع يدل على الفهم ، وتقدير الأشياء حق قدرها وكلا الأمرين موجب للرفعة .
( وسلامة الذين يعلمون ما قدرته ) أي سلامتهم عن العقوبة ( ان يستسلموا له ) بالانقياد ، وإطاعته الأوامر ( فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح ) أي مثل نفار الصحيح من الحيوان ( من الأجرب ) الذي أصيب بداء الجرب - وهو داء خبيث يوجب العدوي ، ولذا يفر الصحيح منه خوفا - ( والباري ) أي الانسان الصحيح البرى من المرض ( من ) الانسان . ( ذي السقم ) أي المريض .
( واعلموا انّكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه ) فان الانسان لا يدرك حسن الأشياء ، إلا إذا رأى قبح أضدادها ، ولذا قالوا تعرف الأشياء بأضدادها .
( ولن تأخذوا بميثاق الكتاب ) أي بأحكامه المحكمة التي هي بمنزلة المواثيق والعهود بين اللَّه وبين خلقه ( حتى تعرفوا الذي نقضه ) فان قبح الناقض يوجب ترفع الانسان عن أن يماثله ، وذلك موجب للأخذ بالكتاب ( ولن تمسّكوا ) أصله « تتمسكون » ( به ) أي بالكتاب والتمسك قوة الأخذ والعمل بأحكامه ( حتى تعرفوا الذي نبذه ) أي طرح العمل به ، والعلة لذلك