تخطي إلى المحتوى الرئيسي

توضيح نهج البلاغة — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
وكلّ سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات ، ويصمّه كبيرها ويذهب عنه ما بعد منها ، وكلّ بصير غيره يعمى عن خفيّ الألوان ولطيف الأجسام ، وكلّ ظاهر غيره باطن ،
شرح
( وكل سميع غيره يصم ) أي لا يسمع ( عن لطيف الأصوات ) أي الأصوات الضعيفة ، بخلاف سبحانه فإنه يسمع كل صوت وان كان في منتهى الاخفات واللطافة ( ويصمّه كبيرها ) فان الصوت الهائل يوجب صم الانسان لخرقه محل السماع ( ويذهب عنه ما بعد منها ) أي ان الأصوات البعيدة لا يسمعها الانسان ، وهذا بخلافه سبحانه ، فان الأصوات الهائلة والخافتة والبعيدة والقربية كلها متساوية عنده تعالى ، إذ ليس سمعه بالآلة والجسمية حتى يفترق الأمر عنده . ( وكل بصير غيره ) سبحانه ( يعمى عن خفى الألوان ) أي الألوان المختلفة في خلايا الأجسام أو الألوان الضعيفة ، فان العين لا تدرك إلا الألوان الظاهرة الشديدة ، ولذا نرى بالمجهرات الألوان الضعيفة بينما لا نراها بالعين المجردة ، وهناك ألوان لا ترى حتى بالمجهر ( ولطيف الأجسام ) أي الأجسام الدقيقة ، كالجراثيم الصغيرة ، والذرات ، وقد توصل العلم إلى اختراع « المكرسكوبات » ولكنها لا ترى الأدق من مدى المجهر ، وهذا بخلافه سبحانه فإنه يرى كل جسم وكل لون وإن كان في غاية الدقة ونهاية اللطافة والخفاء ( وكل ظاهر غيره باطن ) فان الأشياء مهما كانت معروفة ، فإنها مستورة عن كثير الناس ، والظهور هو الانكشاف بعكس البطون ، وهذا واضح فان الأشياء الظاهرة حتى الشمس والقمر مخفيان عند الأعمى ، بخلافه سبحانه فإنه ظاهر لدى الجميع بآثاره وصنايعه . ويحتمل ان يكون المراد ان وجود الأشياء - وهو ظهورها - ليس بذواتها ، فإنها في ذواتها باطنة - أي معدومة - وانما ظهورها باللَّه سبحانه ، بخلافه
توضيح نهج البلاغة — صفحة 256 | السيد محمد الحسيني الشيرازي