ألا وإنّي لم أر كالجنّة نام طالبها ، ولا كالنّار نام هاربها ، ألا وإنّه من لا ينفعه الحقّ يضرّه الباطل ، ومن لم يستقم به الهدى ، يجرّ به الضّلال إلى الرّدى . ألا وإنّكم قد أمرتم بالظَّعن ودللتم على الزّاد ، وإنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنتان : أتّباع الهوى ، وطول الأمل ، فتزوّدوا من الدّنيا ما تحرزون أنفسكم به
شرح
البؤس والشدائد ( ألا واني لم أر كالجنة نام طالبها ) « نام » بمعنى « له يعمل » ( ولا ) رأيت ( كالنار نام هاربها ) أي الَّذي يخاف منها ، وهذا كناية لعدم العمل الموجب للجنة والخلاص من النار مع عظم الأمرين - بما لا عظم فوقهما - .
( ألا وانه من لا ينفعه الحق ) بان لم يتبعه لينتفع به ( يضره الباطل ) إذ هناك طرفان فمن لم يلتحق بطرف الحق لا بد وان يلتحق بطرف الباطل ويضره ذلك فإن لم يجد يبخل ، ومن لم يقدم يحجم ، ومن لم يشجع يجبن وهكذا ( ومن لم يستقم به الهدى ) أي لم ينفعه الهدى فلم يقمه عن الاعوجاج والضلال ( يجر به الضلال إلى الردى ) أي الهلاك ، كما قال سبحانه « انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا » ( ألا ) فليتنبه السامع ( وانكم قد أمرتم بالظعن ) أي الرحيل عن الدنيا ( ودللتم على الزاد ) أي دلكم الكتاب والسنة على لوازم هذا السفر الطويل وهو تقوى الله والعمل الصالح ( وان أخوف ما أخاف عليكم ) أي أشد الأشياء التي أخافها عليكم ( اثنتان ) أي خصلتان ( اتباع الهوى ) الهوى ميل النفس إلى الملذات حلالا كانت أو حراما ، واتباع الهوى غالبا يردى الانسان .
( وطول الأمل ) بان يأمل الانسان البقاء في الدنيا طويلا فان الانسان إذا أمل البقاء الطويل يقترف الآثام ويقول سوف أتوب وبعد لأمر انقلع ( فتزودوا من الدنيا ) أي خذوا زادكم للآخرة ( ما تحرزون ) أي تحفظون ( أنفسكم ) عن النار ( به )