وتواريخ لقوافل لا تحمل من العلم إلا قشوره ، وعلى القص ظهرت ثقافات
التحمت مع ثقافة أهل الكتاب ، وتشهد بذلك عقيدة الجبرية ، يقول الشيخ
محمد أبو زهرة : ( أول من دعا إلى هذه النحلة من المسلمين الجعد بن
درهم ، وقد تلقى ذلك عن يهودي بالشام ، لأن اليهود أول من فعل ذلك
وعلموه بعض المسلمين ، وهؤلاء أخذوا ينشرونه ) ( 1 ) ، ولقد استغل بنو أمية
هذه العقيدة في إخضاع المسلمين ، بحجة أن قيادتهم مفروضة عليهم بقضاء
الله وقدره ، وأن أي تمرد عليهم هو تمرد على قضاء الله ، ولقد قامت هذه
العقيدة على أحاديث وضعها القصاص ، كان الهدف من ورائها تزييف النشاط
الإنساني منذ بدء الخلق إلى قيام الساعة ، وتحت أعلام عقيدة الجبر انطلقت
جحافل بني أمية إلى ديار المسلمين ، بعد أن مهد القص والأحاديث
الموضوعة طريقهم نحو اتخاذ دين الله دغلا ، ليتخذوا مال الله دولا ، وعباد
الله خولا ، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس ، من أمثال : حجر بن
عدي ، والحسين بن علي ، وغيرهما .
ولم تكن عقيدة المرجئة بعيدة عن نسيج القصاص ، لأن الأحاديث
الموضوعة هي التي غذتها ، وعلى ذروة عقيدة المرجئة يجلس يوحنا
الدمشقي ، وهو آخر كبار علماء النصرانية على مذهب الكنيسة الإغريقية ،
وكان أبوه صاحب عبد الملك بن مروان ، وصنف يوحنا كتابا في فضائل
النصرانية على منهج محادثة بين مسلم ونصراني ( 2 ) ، وقال الشيخ أبو زهرة :
( كان يوحنا يبث بين علماء النصارى في البلاد الإسلامية طرق المناظرات التي
تشكك المسلمين في دينهم ، وظهرت آراء يوحنا بالشام ) ، بعد أن وجدت لها
حصنا صنعه القص والأحاديث الموضوعة ، ومن خلال هذا الالتقاء تطرق
البحث حول مرتكب الكبيرة ، هل هو مؤمن أم غير مؤمن ؟ وهل يضر مع
الإيمان ذنب ؟ وعلى مائدة البحث خرجت العقيدة التي تعتذر عن بني أمية في
هامش
( 1 ) تاريخ المذاهب الإسلامية ، أبو زهرة : 2 / 102 .
( 2 ) تاريخ الأدب العربي ، بروكلمان : 1 / 256 .