ومناقبهم ، ويشهد على ذلك ما رواه الخطيب البغدادي عن عبد الرحمن بن
الأسود عن أبيه ، قال : ( جاء علقمة بكتاب من مكة أو اليمن ، صحيفة فيها
أحاديث في أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فاستأذنا على عبد الله ، فدخلنا عليه ،
فدفعنا إليه الصحيفة ، فدعا الجارية ثم دعا بطست فيها ماء ، فقلنا له : يا أبا
عبد الرحمن ، أنظر فيها ، فإن فيها أحاديث حسانا ، فجعل يميثها في الماء ،
ويقول : ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن )
( يوسف : 3 ) ، القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ، ولا تشغلوها بما سواه ) ( 1 ) .
ويشهد بذلك إن عليا عندما تولى الخلافة لم يكن السواد الأعظم يعلم
عن منزلته ومناقبه شيئا ، حتى أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم
يقول : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) ، أن يقوم ، وكان قد جمعهم في الرحبة ،
ولم يعرف العوام مناقبه إلا من خلال ما رواه الصحابة بعد ذلك ، وكان العديد
من الصحابة يتحدثون في مجالسهم الخاصة عن مناقبه ، ولكن هذا الحديث
لم يكن يخرج إلى الساحات العامة ، وفي مقابل هذا التعتيم ، كان لعدم
الرواية الأثر الكبير في ظهور الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبر بالغيب
عن ربه ، ويشهد بذلك ما روي عن حذيفة أنه قال : ( والله ما أدري أنسي
أصحابي أم تناسوا ، والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي
الدنيا بلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا ، إلا وقد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم
قبيلته ) ( 2 ) ، ومعنى ( أم تناسوا ) أي أظهروا النسيان لمصلحة ، ومعنى ( باسمه
واسم أبيه ) ، يعني وصفا واضحا مفصلا لا مبهما ، مجملا ، فالاستقصاء متصل .
وروي عن حذيفة أنه قال : - إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد
النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون ) ( 3 ) ، وقال : ( إنما كان
النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد
هامش
( 1 ) تقييد العلم ، والخطيب ، ص : 54 .
( 2 ) رواه أبو داود ، حديث رقم 4243 .
( 3 ) رواه البخاري ، الصحيح : 4 / 230 .