كلا سوف تعلمون . ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين . لترون
الجحيم . ثم لترونها عين اليقين . ثم لتسألن يومئذ عن النعيم .
شرح
وهؤلاء نحن أكثر . روي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا أيهم أكثر عددا ، فكثرهم بنو عبد مناف ،
فقالت بنو سهم : إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات فكثرتهم بنو سهم ، والمعنى : أنكم
تكاثرتم بالأحياء حتى إذا استوعبتم عددهم صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات . عبر عن بلوغهم ذكر الموتى
بزيارة المقابر تهكما بهم . وقيل كانوا يزورون المقابر فيقولون هذا قبر فلان وهذا قبر فلان عند تفاخرهم ،
والمعنى : ألهاكم ذلك وهو مما لا يعنيكم ولا يجدي عليكم في دنياكم وآخرتكم عما يعنيكم من أمر الدين الذي هو أهم
وأعنى من كل مهم ، أو أراد ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم منفقين أعماركم في طلب الدنيا
والاستباق إليها والتهالك عليها إلى أن أتاكم الموت ، لا هم لكم غيرها عما هو أولى بكم من السعي لعاقبتكم والعمل
لآخرتكم ، وزيارة القبور عبارة عن الموت ، قال :
لن يخلص العام خليل عشرا * ذاق الضماد أو يزور القبرا
وقال : زار القبور أبو مالك * فأصبح ألأم زوارها
وقرأ ابن عباس أألهاكم على الاستفهام الذي معناه التقرير ( كلا ) ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه
أن تكون الدنيا جميل همه ولا يهتم بدينه ( سوف تعلمون ) إنذار ليخافوا فينتبهوا عن غفلتهم . والتكرير تأكيد
للردع والإنذار عليهم ، و ( ثم ) دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول وأشد كما تقول للمنصوح أقول لك ثم
أقول لك لا تفعل ، والمعنى : سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول لقاء الله ، وأن هذا
التنبيه نصيحة لكم ورحمة عليكم . ثم كرر التنبيه أيضا وقال ( لو تعلمون ) محذوف الجواب : يعني لو تعلمون
ما بين أيديكم على الأمر اليقين : أي كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور التي وكلتم بعلمها هممكم لفعلتم ما لا يوصف
ولا يكتنه ولكنكم ضلال جهلة ، ثم قال ( لترون الجحيم ) فبين لهم ما أنذرهم منه وأوعدهم به ، وقد مر ما في
إيضاح الشئ بعد إبهامه من تفخيمه وتعظيمه ، وهو جواب قسم محذوف والقسم لتوكيد الوعيد ، وأما ما أوعدوا
به ما لا مدخل فيه للريب ، وكرره معطوفا بثم تغليظا في التهديد وزيادة في التهويل . وقرئ لترؤن بالهمز وهي
مستكرهة . فإن قلت : لم استكرهت والواو المضمومة قبلها همزة قياس مطرد ؟ قلت : ذاك في الواو التي ضمتها
لازمة وهذه عارضة لالتقاء الساكنين . وقرئ لترون ولترونها على البناء للمفعول ( عين اليقين ) أي الرؤية التي
هي نفس اليقين وخالصته . ويجوز أن يراد بالرؤية العلم والإبصار ( عن النعيم ) عن اللهو والتنعم الذي شغلكم
الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه . فإن قلت : ما النعيم الذي يسئل عنه الإنسان ويعاتب عليه ، فما من أحد إلا وله
نعيم ؟ قلت : هو نعيم من عكف همته على استيفاء اللذات ولم يعش إلا ليأكل الطيب ويلبس اللين ويقطع أوقاته
باللهو والطرب لا يعبأ بالعلم والعمل ولا يحمل نفسه مشاقهما ، فأما من تمتع بنعمة الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا
لعباده وتقوى بها على دراسة العلم والقيام بالعمل وكان ناهضا بالشكر فهو من ذاك بمعزل ، وإليه أشار رسول الله