تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
إنا أنزلناه في ليلة القدر . وما أدراك ما ليلة القدر . ليلة القدر خير من ألف شهر . تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر . سلام هي حتى مطلع الفجر .
شرح
عظم القرآن من ثلاثة أوجه : أحدها أن أسند إنزاله إليه وجعله مختصا به دون غيره . والثاني أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه . والثالث الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه . روي أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا وأملاه جبريل على السفرة ، ثم كان ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة . وعن الشعبي : المعنى إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر . واختلفوا في وقتها ، فأكثرهم على أنها في شهر رمضان في العشر الأواخر في أوتارها ، وأكثر القول أنها السابعة منها . ولعل الداعي إلى إخفائها أن يحيي من يريدها الليالي الكثيرة طلبا لموافقتها فتكثر عبادته ويتضاعف ثوابه ، وأن لا يتكل الناس عند إظهارها على إصابة الفضل فيها فيفرطوا في غيرها . ومعنى ليلة القدر : ليلة تقدير الأمور وقضائها من قوله تعالى - فيها يفرق كل أمر حكيم - وقيل سميت بذلك لخطرها وشرفها على سائر الليالي ( وما أدراك ما ليلة القدر ) يعني ولم تبلغ درايتك غاية فضلها ومنتهى علو قدرها . ثم بين له ذلك بأنها خير من ألف شهر . وسبب ارتقاء فضلها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من المصالح الدينية التي ذكرها من تنزل الملائكة والروح وفصل كل أمر حكيم ، وذكر في تخصيص هذه المدة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر ، فعجب المؤمنون من ذلك وتقاصرت إليهم أعمالهم ، فأعطوا ليلة هي خير من مدة ذلك الغازي " وقيل إن الرجل فيما مضى ما كان يقال له عابد حتى يعبد الله ألف شهر ، فأعطوا ليلة إن أحيوها كانوا أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد ( تنزل ) إلى السماء الدنيا ، وقيل إلى الأرض ( والروح ) جبريل ، وقيل خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة ( من كل أمر ) أي تتنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك الحسنة إلى قابل . وقرئ من كل أمر : أي من أجل كل إنسان ، قيل لا يلقون مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه في تلك الليلة ( سلام هي ) ما هي إلا سلامة : أي لا يقدر الله فيها إلا السلامة والخير ويقضي في غيرها بلاء وسلامة ، أو ما هي إلا سلام لكثرة ما يسلمون على المؤمنين . وقرئ مطلع بفتح اللام وكسرها . عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة القدر أعطي من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر " .
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 273 | الزمخشري