كلا إن الإنسان ليطغى . أن رآه استغنى . إن إلى ربك الرجعي . أرأيت الذي ينهى
عبدا إذا صلى . أرأيت إن كان على الهدى . أو أمر بالتقوى . أرأيت إن كذب وتولى .
ألم يعلم بأن الله يرى . كلا لئن لم ينته
شرح
إلا بالكتابة ، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا ، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره دليل
إلا أمر القلم والخط لكفى به ، ولبعضهم في صفة القلم :
ورواقم رقش كمثل أراقم * قطف الخطأ نيالة أقصى المدى
سود القوائم ما يجد مسيرها * إلا إذا لعبت بها بيض المدى
وقرأ ابن الزبير علم الخط بالقلم ( كلا ) ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه
( أن رآه ) أن رأى نفسه ، يقال في أفعال القلوب رأيتني وعلمتني وذلك بعض خصائصها ، ومعنى الرؤية العلم ،
ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين ، و ( استغنى ) هو المفعول الثاني ( إن إلى ربك
الرجعي ) واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديدا له وتحذيرا من عاقبة الطغيان والرجعي مصدر كالبشرى
بمعنى الرجوع . وقيل نزلت في أبي جهم وكذلك ( أرأيت الذي ينهى ) وروي " أنه قال لرسول الله صلى الله عليه
وسلم : أتزعم أن من استغنى طغى فاجعل لنا جبال مكة فضة وذهبا لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك ،
فنزل جبريل فقال : إن شئت فعلنا ذلك ، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة ، فكف رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن الدعاء إبقاء عليهم " وروي عنه لعنه الله أنه قال : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ قالوا :
نعم ، قال : فوالذي يحلف به لئن رأيته توطأت عنقه ، فجاءه ثم نكص على عقبيه فقالوا له : ما لك يا أبا الحكم ،
فقال : إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة ، فنزلت - أرأيت الذي ينهى - ومعناه أخبرني عمن ينهى
بعض عباد الله عن صلاته ، إن كان ذلك الناهي على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله ، أو كان آمرا بالمعروف
والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد ، وكذلك إن كان على التكذيب للحق والتولي عن الدين الصحيح
كما نقول نحن ( ألم يعلم بأن الله يرى ) ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه على حسب ذلك وهذا وعيد .
فإن قلت : ما متعلق أرأيت ؟ قلت : الذي ينهى مع الجملة الشرطية وهما في موضع المفعولين . فإن قلت : فأين
جواب الشرط ؟ قلت : هو محذوف تقديره : إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ألم يعلم بأن الله يرى ، وإنما حذف
لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني . فإن قلت : فكيف صح أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط ؟ قلت : كما صح
في قولك إن أكرمتك أتكرمني ، وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه ؟ فإن قلت : فما أرأيت الثانية وتوسطها بين
مفعول أرأيت ؟ قلت : هي زائدة مكررة للتوكيد . وعن الحسن أنه أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة
( كلا ) ردع لأبي جهل وخسوء له عن نهيه عن عبادة الله تعالى وأمره بعبادة اللات ثم قال ( لئن لم ينته ) عما هو فيه