لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم . ثم رددناه أسفل سافلين . إلا الذين آمنوا وعملوا
الصالحات فلهم أجر غير ممنون . فما يكذبك بعد بالدين . أليس الله بأحكم
الحاكمين .
شرح
بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل كما وصف بالأمن في قوله تعالى - حرما آمنا - بمعنى ذي أمن ، ومعنى
القسم بهذه الأشياء : الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر فيها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والصالحين ،
فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم ومولد عيسى ومنشؤه . والطور : المكان الذي نودي منه موسى . ومكة :
مكان البيت الذي هو هدى للعالمين ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعثه ( في أحسن تقويم ) في أحسن تعديل
لشكله وصورته وتسوية لأعضائه . ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن
رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا : يعني أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة وهو أصحاب النار أو أسفل من
سفل من أهل الدركات ، أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل
حيث نكسناه في خلقه ، فقوس ظهره بعد اعتداله ، وأبيض شعره بعد سواده ، وتشنن جلده وكان بضا ، وكل سمعه
وبصره وكانا حديدين ، وتغير كل شئ منه ، فمشيه دليف وصوته خفات وقوته ضعف وشهامته خرف . وقرأ
عبد الله أسفل السافلين . فإن قلت : فكيف الاستثناء على المذهبين ؟ قلت : هو على الأول متصل ظاهر الاتصال
وعلى الثاني منقطع : يعني ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعتهم وصبرهم
على ابتلاء الله بالشيخوخة والهرم وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة على تخاذل نهوضهم . فإن قلت : ( فما يكذبك )
من المخاطب به ؟ قلت : هو خطاب للإنسان على طريقة الالتفات : أي فما يجعلك كاذبا بسبب الدين وإنكاره بعد
هذا الدليل . يعني أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء لأن كل مكذب بالحق فهو كاذب ، فأي شئ يضطرك إلى أن
تكون كاذبا بسبب تكذيب الجزاء . والباء مثلها في قوله تعالى - الذين يتولونه والذين هم به مشركون - والمعنى :
أن خلق الإنسان من نطفة وتقويمه بشرا سويا وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي ثم تنكيسه إلى أن
يبلغ أرذل العمر لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة الخالق ، وأن من قدر من الإنسان على هذا كله لم يعجز عن
إعادته ، فما سبب تكذيبك أيها الإنسان بالجزاء بعد هذا الدليل القاطع ؟ وقيل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه
وسلم ( أليس الله بأحكم الحاكمين ) وعيد للكفار وأنه يحكم عليهم بما هو أهله . وعن النبي صلى الله عليه وسلم
" أنه كان إذا قرأها قال : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة ( والتين )
أعطاه الله خصلتين العافية واليقين ما دام في دار الدنيا ، وإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة " .