تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
( والنهار إذا جلاها . والليل إذا يغشاها . والسماء وما بناها . والأرض وما طحاها . ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها . )
شرح
طالعا عند غروبها آخذا من نورها ، وذلك في النصف الأول من الشهر . وقيل إذا استدار فتلاها في الضياء والنور ( إذا جلاها ) عند انتفاخ النهار وانبساطه ، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء . وقيل الضمير للظلمة أو للدنيا أو للأرض وإن لم يجر لها ذكر كقولهم أصبحت باردة يريدون الغداة ، وأرسلت يريدون السماء . إذا يغشاها : فتغيب وتظلم الآفاق . فإن قلت : الأمر في نصب إذا معضل ، لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة فتنصب بها وتجر فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك : مررت أمس بزيد واليوم عمرو ، وإما أن تجعلهن للقسم فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه . قلت : الجواب فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل اطراحا كليا فكان لها شأن خلاف شأن الياء حيث أبرز معها الفعل وأضمر ، فكانت الواو قائمة مقام الفعل والباء سادة مسدهما معا والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو فحققن أن يكن عوامل على الفعل والجار جميعا كما تقول : ضرب زيد عمرا وبكر خالدا فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما . جعلت ما مصدرية في قوله - وما بناها - وما طحاها - وما سواها - وليس بالوجه لقوله - فألهمها - وما يؤدي إليه من فساد النظم . والوجه أن تكون موصولة ، وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل : والسماء والقادر العظيم الذي بناها ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها ، وفي كلامهم : سبحان ما سخركن لنا . فإن قلت : لم نكرت النفس ؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما أن يريد نفسا خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم كأنه قال وواحدة من النفوس . والثاني أن يريد كل نفس وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله - علمت نفس - . ومعنى إلهام الفجور والتقوى : إفهامهما وإعقالهما ، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح ، وتمكينه من
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 258 | الزمخشري