تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
لا أقسم بهذا البلد . وأنت حل بهذا البلد . ووالد وما ولد . لقد خلقنا الانسان في كبد . أيحسب أن لن يقدر عليه أحد .
شرح
أقسم سبحانه بالبلد الحرام وبما بعده على أن الانسان خلق مغمورا في مكابدة المشاق والشدائد ، واعتراض بين القسم والمقسم عليه بقوله ( وأنت حل بهذا البلد ) يعنى ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم ، عن شرحبيل يحرمون أن يقتلوا بها صيدا ويعضدوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك . وفيه تثبيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة وتعجيب من حالهم في عداوته ، أو على صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقسم ببلده على أن الانسان لا يخلوا من مقاساة الشدائد . واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عنه فقال - وأنت حل بهذا البلد يعنى وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر ، وذلك أن الله فتح عليه مكة وأحلها له وما فتحت على أحد قبله ولا أحلت له فأحل ما شاء وحرم ما شاء . قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ، ومقيس ابن صبابة وغيرهما وحرم دار أبي سفيان ثم قال " إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة ، لم تحل لاحد قبلي ولن تحل لاحد بعدي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار ، فلا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ، فقال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقيوننا وقبورنا وبيوتنا ، فقال صلى الله عليه وسلم : إلا الإذخر " . فإن قلت : أين نظير قوله وأنت حل في معنى الاستقبال ؟ قلت : قوله - إنك ميت وإنهم ميتون - ومثله واسع في كلام العباد تقول لمن تعده الاكرام والحباء أنت مكرم محبو ، وهو في كلام الله أوسع لان الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة ، وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال وأن تفسيره بالحال محال أن السورة بالاتفاق مكية وأين الهجرة عن وقت نزولها فما بال الفتح ؟ فإن قلت : ما المراد بوالد وما ولد ؟ قلت : رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ولده ، أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرم أبيه إبراهيم ومنشأ أبيه إسماعيل وبمن ولده وبه . فإن قلت : لم نكر ؟ قلت : للابهام المستقل بالمدح والتعجب . فإن قلت : هلا قيل ومن ولد ؟ قلت : فيه ما في قوله - والله أعلم بما وضعت - أي بأي شئ وضعت : يعنى موضوعا عجيب الشأن ، وقيل هما آدم وولده ، وقيل كل والد وولد . والكبد أصله من قولك كبد الرجل كبد فهو أكبد إذا وجعت كبده وانتفخت فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة ، ومنه اشتقت المكابدة كما قيل كبته بمعنى أهلكه وأصله كبده إذا أصاب كبده ، قال لبيد : يا عين هل بكيت أربد إذ * قمنا وقام الخصوم في كبد أي في شدة الامر وصعوبة الخطب ، والضمير في ( أيحسب ) لبعض صناديد قريش الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكابد منهم ما يكابد ، والمعنى : أيظن هذا الصنديد القوى في قومه المتضعف للمؤمنين أن لن
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 255 | الزمخشري