تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
إن سعيكم لشتى . فأما من أعطى واتقى . وصدق بالحسنى . فسنيسره لليسرى . وأما من بخل واستغنى . وكذب بالحسنى . فسنيسره للعسرى . وما يغني عنه ماله إذا تردى . إن علينا للهدى . وإن لنا للآخرة والأولى . فأنذرتكم نارا تلظى . لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى . وسيجنبها الأتقى .
شرح
الذكر والأنثى بالجر على أنه بدل من محل ما خلق بمعنى وما خلقه الله : أي ومخلوق الله الذكر والأنثى ، وجاز إضمار اسم الله لأنه معلوم لانفراده بالخلق إذ لا خالق سواه . وقيل إن الله لم يخلق خلقا من ذوي الأرواح ليس بذكر ولا أنثى ، والخنثى وإن أشكل أمره عندنا فهو عند الله غير مشكل معلوم بالذكورة أو الأنوثة ، فلو حلف بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكرا ولا أنثى وقد لقي خنثى مشكلا كان حانثا لأنه في الحقيقة إما ذكر أو أنثى وإن كان مشكلا عندنا . شتى جمع شتيت : أي إن مساعيكم أشتات مختلفة وبيان اختلافها فيما فصل على أثره ( أعطى ) يعني حقوق ماله ( واتقى ) الله فلم يعصه ( وصدق بالحسنى ) بالخصلة الحسنى وهو الإيمان أو بالملة الحسنى وهي ملة الإسلام أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة ( فسنيسره لليسرى ) فسنهيؤه لها ، من يسر الفرس للركوب : إذا أسرجها وألجمها ومنه قوله عليه الصلاة والسلام " كل ميسر لما خلق له " والمعنى : فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها من قوله - فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام - ( واستغنى ) وزهد فيما عند الله كأنه مستغن عنه فلم يتقه ، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة لأنه في مقابلة واتقى ( فسنيسره للعسرى ) فسنخذله ونمنعه الألطاف حتى تكون الطاعة أعسر شئ عليه وأشده ، من قوله - يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء - أو سمى طريقة الخير باليسرى لأن عاقبتها اليسر ، وطريقة الشر العسر لأن عاقبتها العسر ، أو أراد بهما طريقي الجنة والنار : أي فسنهديهما في الآخرة للطريقين . وقيل نزلتا في أبي بكر رضي الله عنه وفي أبي سفيان بن حرب ( وما يغني عنه ) استفهام في معنى الإنكار أو نفي ( تردى ) تفعل من الردى وهو الهلاك يريد الموت ، أو تردى في الحفرة إذا قبر ، أو تردى في قعر جهنم ( إن علينا للهدى ) إن الإرشاد إلى الحق واجب علينا بنصب الدلائل وبيان الشرائع ( وإن لنا للآخرة والأولى ) أي ثواب الدارين للمهتدي ، فقوله - وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين - وقرأ أبو الزبير تتلظى . فإن قلت : كيف قال ( لا يصلاها إلا الأشقى . وسيجنبها الأتقى )