إن سعيكم لشتى . فأما من أعطى واتقى . وصدق بالحسنى . فسنيسره لليسرى .
وأما من بخل واستغنى . وكذب بالحسنى . فسنيسره للعسرى . وما يغني عنه ماله
إذا تردى . إن علينا للهدى . وإن لنا للآخرة والأولى . فأنذرتكم نارا تلظى .
لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى . وسيجنبها الأتقى .
شرح
الذكر والأنثى بالجر على أنه بدل من محل ما خلق بمعنى وما خلقه الله : أي ومخلوق الله الذكر والأنثى ، وجاز
إضمار اسم الله لأنه معلوم لانفراده بالخلق إذ لا خالق سواه . وقيل إن الله لم يخلق خلقا من ذوي الأرواح ليس بذكر
ولا أنثى ، والخنثى وإن أشكل أمره عندنا فهو عند الله غير مشكل معلوم بالذكورة أو الأنوثة ، فلو حلف
بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكرا ولا أنثى وقد لقي خنثى مشكلا كان حانثا لأنه في الحقيقة إما ذكر أو أنثى وإن كان
مشكلا عندنا . شتى جمع شتيت : أي إن مساعيكم أشتات مختلفة وبيان اختلافها فيما فصل على أثره ( أعطى ) يعني
حقوق ماله ( واتقى ) الله فلم يعصه ( وصدق بالحسنى ) بالخصلة الحسنى وهو الإيمان أو بالملة الحسنى وهي ملة
الإسلام أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة ( فسنيسره لليسرى ) فسنهيؤه لها ، من يسر الفرس للركوب : إذا أسرجها وألجمها
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام " كل ميسر لما خلق له " والمعنى : فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر
الأمور عليه وأهونها من قوله - فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام - ( واستغنى ) وزهد فيما عند الله كأنه
مستغن عنه فلم يتقه ، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة لأنه في مقابلة واتقى ( فسنيسره للعسرى ) فسنخذله
ونمنعه الألطاف حتى تكون الطاعة أعسر شئ عليه وأشده ، من قوله - يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في
السماء - أو سمى طريقة الخير باليسرى لأن عاقبتها اليسر ، وطريقة الشر العسر لأن عاقبتها العسر ، أو أراد بهما طريقي
الجنة والنار : أي فسنهديهما في الآخرة للطريقين . وقيل نزلتا في أبي بكر رضي الله عنه وفي أبي سفيان بن
حرب ( وما يغني عنه ) استفهام في معنى الإنكار أو نفي ( تردى ) تفعل من الردى وهو الهلاك يريد الموت ، أو
تردى في الحفرة إذا قبر ، أو تردى في قعر جهنم ( إن علينا للهدى ) إن الإرشاد إلى الحق واجب علينا بنصب
الدلائل وبيان الشرائع ( وإن لنا للآخرة والأولى ) أي ثواب الدارين للمهتدي ، فقوله - وآتيناه أجره في الدنيا وإنه
في الآخرة لمن الصالحين - وقرأ أبو الزبير تتلظى . فإن قلت : كيف قال ( لا يصلاها إلا الأشقى . وسيجنبها الأتقى )