يقول أهلكت مالا لبدا . أيحسب أن لم يره أحد . ألم نجعل له عينين . ولسانا
وشفتين . وهديناه النجدين . فلا اقتحم العقبة . وما أدراك ما العقبة . فك رقبة .
شرح
تقوم قيامة ولن يقدر على الانتقام منه وعلى مكافأته بما هو عليه ، ثم ذكر ما يقوله في ذلك اليوم وأنه يقول ( أهلكت
مالا لبدا ) يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ويدعونها معالى ومفاخر ( أيحسب أن لن يره
أحد ) حين كان ينفق ما ينفق رثاء الناس وافتخارا بينهم : يعنى أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا . ويجوز أن يكون
الضمير للانسان على أن يكون المعنى : أقسم بهذا البلد الشريف ومن شرفه إنك حل به مما يقترفه أهله من المآثم
متحرج برئ فهو حقيق بأن أعظمه بقسمي به - لقد خلقنا الانسان في كبد - أي في مرض ، وهو مرض القلب
وفساد الباطن . يريد الذين علم الله منهم حين خلقهم أنهم لا يؤمنون ولا يعملون الصالحات . وقيل الذي يحسب أن
لن يقدر عليه أحد هو أبو الأشد ، وكان قويا يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه ويقول : من أزالني عنه فله
كذا ، فلا ينزع إلا قطعا ويبقى موضع قدميه . وقيل الوليد بن المغيرة . لبدا قرئ بالضم والكسر جمع لبدة ولبدة
وهو ما تلبد يريد الكثرة ، وقرئ لبدا بضمتين جمع لبود ولبدا بالتشديد جمع لابد ( ألم نجعل له عينين ) يبصر بهما
المرئيات ( ولسانا ) يترجم به عن ضمائره ( وشفتين ) يطبقهما على فيه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب
والنفخ وغير ذلك ( وهديناه النجدين ) أي طريقي الخير والشر ، وقيل الثديين ( فلا اقتحم العقبة ) يعنى فلم يشكر
تلك الأيادي والنعم بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وإطعام اليتامى والمساكين ثم بالايمان الذي هو أصل كل طاعة
وأساس كل خير بل غمط النعم وكفر بالمنعم ، والمعنى : أن الانفاق على هذا الوجه هو الانفاق المرضى النافع عند
الله ، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخار فيكون مثله كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم الآية . فان قلت :
قلما تقع لا الداخلة على الماضي إلا مكررة ، ونحو قوله فأي أمر سئ لافعله لا يكاد يقع ، فما لها لم تكرر في
الكلام الأفصح ؟ قلت : هي متكررة في المعنى لان معنى - فلا اقتحم العقبة - فلا فك رقبه ولا أطعم مسكينا ، ألا
ترى أنه سر اقتحام العقبة بذلك . وقال الزجاج قوله - ثم كان من الذين آمنوا - يدل على معنى فلا اقتحم العقبة
ولا آمن . والاقتحام : الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة ، والقحمة الشدة ، وجعل الصالحة عقبة وعملها اقتحاما
لها لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس . وعن الحسن : عقبة والله شديدة مجاهدة الانسان نفسه وهواه
وعدوه الشيطان ، وفك الرقبة : تخليصها من رق أو غيره ، وفى الحديث " أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه
وسلم : دلني على عمل يدخلني الجنة ، فقال : تعتق النسمة وتفك الرقبة ، قال : أو ليسا سواء ؟ قال : لا ، إعتاقها
أن تنفرد بعتقها ، وفكها أن تعين في تخليصها من قود أو غرم " والعتق والصدقة من أفاضل الأعمال . وعن أبي
حنيفة رضي الله عنه : إن العتق أفضل من الصدقة ، وعند صاحبيه الصدقة أفضل ، والآية أدل على قول
أبي حنيفة لتقديم العتق على الصدقة . وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة أيضعه في ذي قرابة أو يعتق رقبة ؟
قال : الرقبة أفضل لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا منه من النار " .
قرئ فك رقبة أو إطعام على هي فك رقبة أو إطعام . وقرئ فك رقبة أو أطعم على الابدال من اقتحم العقبة .
وقوله ( وما أدراك ما العقبة ) اعتراض ، ومعناه : أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله . والمسغبة
والمقربة والمتربة مفعلات من سغب إذا جاع وقرب في النسب ، يقال فلان ذو قرابتي وذو مقربتي ، وترب إذا