وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون . قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين . فمن
الله علينا ووقانا عذاب السموم . إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم .
فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون . أم يقولون شاعر نتربص به
ريب المنون . قل تربصوا فإني معكم من المتربصين . أم تأمرهم أحلامهم
بهذا أم هم قوم طاغون . أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون . فليأتوا بحديث مثله
إن كانوا صادقين . أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون . أم خلقوا السماوات
شرح
الخادم فكيف المخدوم ؟ فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على
الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب " وعنه عليه الصلاة والسلام " إن أدنى أهل الجنة منزلة من
ينادى الخادم من خدامه فيجيبه ألف ببابه : لبيك لبيك " ( يتساءلون ) يتحادثون ويسأل بعضهم بعضا عن أحواله
وأعماله وما استوجب به نيل ما عند الله ( مشفقين ) أرقاء القلوب من خشية الله . وقرئ ووقانا بالتشديد ( عذاب
السموم ) عذاب النار ووهجها ولفحها . والسموم : الريح الحارة التي تدخل المسام فسميت بها نار جهنم لأنها
بهذه الصفة ( من قبل ) من قبل لقاء الله تعالى والمصير إليه يعنون في الدنيا ( ندعوه ) نعبده ونسأله الوقاية ( إنه هو
البر ) المحسن ( الرحيم ) العظيم الرحمة الذي إذا عبد أثاب وإذا سئل أجاب . وقرئ أنه بالفتح بمعنى لأنه ( فذكر )
فأثبت على تذكير الناس وموعظتهم ولا يثبطنك قولهم كاهن أو مجنون ولا تبال به فإنه قول باطل متناقض ، لأن
الكاهن يحتاج في كهانته إلى فطنة ودقة نظر ، والمجنون مغطى على عقله ، وما أنت بحمد الله وإنعامه عليك بصدق
النبوة ورجاحة العقل أحد هذين . وقرئ يتربص به ريب المنون على البناء للمفعول ، وريب المنون : ما يقلق النفوس
ويشخص بها من حوادث الدهر ، قال : * أمن المنون وريبه تتوجع * وقيل المنون الموت ، وهو في الأصل
فعول من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ولذلك سميت شعوب ، قالوا ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك من
قبله من الشعراء زهير والنابغة ( من المتربصين ) أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي ( أحلامهم ) عقولهم
وألبابهم ، ومنه قولهم : أحلام عاد ، والمعنى : أتأمرهم أحلامهم بهذا التناقض في القول وهو قولهم كاهن وشاعر
مع قولهم مجنون ، وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهى ( أم هم قوم طاغون ) مجاوزون الحد في العناد مع ظهور
الحق لهم . فإن قلت : ما معنى كون الأحلام آمرة ؟ قلت : هو مجاز لأدائها إلى ذلك كقوله تعالى - أصلواتك تأمرك
أن نترك ما يعبد آباؤنا - وقرئ بل هم قوم طاغون - ( تقوله ) اختلقه من تلقاء نفسه ( بل لا يؤمنون ) فلكفرهم وعنادهم
يرمون بهذه المطاعن مع علمهم ببطلان قولهم وأنه ليس بمتقول لعجز العرب عنه وما محمد إلا واحد من العرب .
وقرئ بحديث مثله على الإضافة والضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعناه : أن مثل محمد في فصاحته ليس
بمعوز في العرب ، وإن قدر محمد على نظمه كان مثله قادرا عليه فليأتوا بحديث ذلك المثل ( أم خلقوا ) أم أحدثوا
وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم ( من غير شئ ) من غير مقدر ( أم هم ) الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون