إن عذاب ربك لواقع . ماله من دافع . يوم تمور السماء مورا . وتسير الجبال
سيرا . فويل يومئذ للمكذبين . الذين هم في خوض يلعبون . يوم يدعون إلى نار
جهنم دعا . هذه النار التي كنتم بها تكذبون . أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون .
اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون .
إن المتقين في جنات ونعيم . فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب عذاب
الجحيم . كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون . متكئين على سرر مصفوفة
شرح
يجعل يوم القيامة البحار كلها نارا تسجر بها نار جهنم " وعن علي رضي الله عنه أنه سأل يهوديا أين موضع النار
في كتابكم ؟ قال : ما أراه إلا صادقا لقوله تعالى - والبحر المسجور - ( لواقع ) لنازل . قال جبير بن مطعم " أتيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلمه في الأسارى ، فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة الطور ، فلما بلغ - إن عذاب
ربك لواقع - أسلمت خوفا من أن ينزل العذاب " ( تمور السماء ) تضطرب وتجئ وتذهب . وقيل المور تحرك
في تموج وهو الشئ يتردد في عرض كالداغصة في الركبة : غلب الحوض في الاندفاع في الباطل والكذب ،
ومنه قوله تعالى - وكنا نخوض مع الخائضين - وخضتم كالذي خاضوا - الدع : الدفع العنيف ، وذلك أن خزنة
النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعا على وجوههم وزخا
في أقفيتهم . وقرأ زيد بن علي : يدعون من الدعاء : أي يقال لهم هلموا إلى النار وادخلوا النار ( دعا ) مدعوعين
يقال لهم هذه النار ( أفسحر هذا ) يعنى كنتم تقولون للوحي هذا سحر أفسحر هذا ، يريد أهذا المصداق أيضا
سحر ، ودخلت الفاء لهذا المعنى ( أم أنتم لا تبصرون ) كما كنتم لا تبصرون في الدنيا : يعنى أم أنتم عمى عن المخبر عنه
كما كنتم عميا عن الخبر ، وهذا تقريع وتهكم ( سواء ) خبر محذوف : أي سواء عليكم الأمران الصبر وعدمه .
فإن قلت : لم علل استواء الصبر وعدمه بقوله ( إنما تجزون ما كنتم تعملون ) ؟ قلت : لأن الصبر إنما يكون له
مزية على الجزع لنفعه في العاقبة بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير ، فأما الصبر على العذاب الذي هو الجزاء ولا
عاقبة له ولا منفعة فلا مزية له على الجزع ( في جنات ونعيم ) في أية جنات وأي نعيم بمعنى الكمال في الصفة . أو
في جنات ونعيم مخصوصة بالمتقين خلقت لهم خاصة . وقرئ فاكهين وفكهين وفاكهون من نصبه حالا جعل
الظرف مستقرا ومن رفعه خبرا جعل الظرف لغوا : أي متلذذين ( بما آتاهم ربهم ) . فإن قلت : علام عطف قوله
( ووقاهم ربهم ) . قلت : على قوله في جنات أو على آتاهم ربهم على أن تجعل ما مصدرية ، والمعنى : فاكهين
بإيتائهم ربهم ووقايتهم عذاب الجحيم ، ويجوز أن تكون الواو للحال وقد بعدها مضمرة . يقال لهم : ( كلوا
واشربوا ) أكلا وشربا ( هنيئا ) أو طعاما وشرابا هنيئا وهو الذي لا تنغيص فيه ، ويجوز أن يكون مثله في قوله :