تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
ما ضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحى يوحى . علمه شديد القوى . ذو مرة فاستوى . وهو بالأفق الأعلى . ثم دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى .
شرح
لها وقال : ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة ، فرجع عتبة إلى أبيه فأخبره ، ثم خرجوا إلى الشأم فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من الدير فقل لهم : إن هذه أرض مسبعة ، فقال أبو لهب لأصحابه : أغيثونا يا معشر قريش هذه الليلة فإني أخاف على ابني دعوة محمد ، فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم وأحدقوا بعتبة ، فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتبة فقتله " وقال حسان : من يرجع العام إلى أهله * فما أكيل السبع بالراجع ( ما ضل صاحبكم ) يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم والخطاب لقريش وهو جواب القسم ، والضلال نقيض الهدى ، والغى نقيض الرشد : أي هو مهتد راشد وليس كما تزعمون من نسبتكم إياه إلى الضلال والغى . وما أتاكم به من القرآن ليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه ، وإنما هو وحى من عند الله يوحى إليه . ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء . ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد كان الاجتهاد وما يستند إليه كله وحيا لا نطقا عن الهوى ( شديد القوى ) ملك شديد قواه ، والإضافة غير حقيقية لأنها إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها وهو جبريل عليه السلام . ومن قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود وحملها على جناحه ورفعها إلى السماء ثم قلبها ، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين ، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده في أوحى من رجعة الطرف ، ورأى إبليس يكلم عيسى عليه السلام على بعض عقاب الأرض المقدسة فنفحه بجناحه نفحة فألقاه في أقصى جبل بالهند ( ذو مرة ) ذو حصافة في عقله ورأيه ومتانة في دينه ( فاستوى ) فاستقام على صورة نفسه الحقيقية دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي ، وكان ينزل في صورة دحية ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق الأعلى وهو أفق الشمس فملأ الأفق . وقيل ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد صلى الله عليه وسلم مرتين ، مرة في الأرض ومرة في السماء ( ثم دنا ) من رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فتدلى ) فتعلق عليه في الهواء ومنه تدلت الثمرة ودلى رجليه من السرير ، والدوالي : الثمر المعلق ، قال * تدلى عليها بين سب وخيطة * ويقال : هو مثل القرلى إن رأى خيرا تدلى وإن لم يره تولى ( قاب قوسي ) مقدار قوسي عربيتين ، وألقاب والقيب والقاد والقيد والقيس : المقدار . وقرأ زيد ابن علي قاد ، وقرئ قيد وقدر . وقد جاء التقدير بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع والخطوة والشبر والفتر والإصبع ، ومنه " لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين " وفى الحديث " لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها " والقد : السوط ، ويقال بينهما خطوات يسيرة . وقال :
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 28 | الزمخشري