تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وما هي إلا ذكرى للبشر ، كلا والقمر . والليل إذا دبر . والصبح إذا أسفر . إنها لاحدى الكبر . نذيرا للبشر . لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر . كل نفس بما كسبت رهينة . إلا أصحاب اليمين .
شرح
والكواكب ، وأعداد النصب والحدود والكفارات والصلوات في الشريعة ، أو وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو ، فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها وهو يعلمها . وقيل هو جواب لقول أبى جهل : أما لرب محمد أعوان إلا تسعة عشر ؟ وما جعلنا أصحاب النار إلى قوله إلا هو اعتراض ، وقوله ( وما هي إلا ذكرى ) متصل بوصف سقر وهى ضميرها : أي وما سقر وصفتها إلا تذكرة ( للبشر ) أو ضمير الآيات التي ذكرت فيها ( كلا ) إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن تكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون ، أو ردع لما ينكر أن تكون إحدى الكبر نذيرا و ( دبر ) بمعنى أدبر كقبل بمعنى أقبل ومنه صاروا كأمس الدابر ، وقيل هو من دبر الليل النهار إذا خلفه . وقرئ إذ أدبر ( إنها لاحدى الكبر ) جواب القسم أو تعليل لكلا والقسم معترض للتوكيد ، والكبر جمع الكبرى جعلت ألف التأنيث كتائها فلما جمعت فعلة على فعل جمعت فعلى عليها ، ونظير ذلك السوافي في جمع السافياء والقواصع في جمع القاصعاء كأنها جمع فاعلة : أي لاحدى البلايا أو الدواهي الكبر ، ومعنى كونها إحداهن أنها من بينهن واحدة في العظم لا نظيرة لها كما تقول هو أحد الرجال وهى إحدى النساء و ( نذيرا ) تمييز من إحدى على معنى أنها لاحدى الدواهي إنذارا كما تقول هي إحدى النساء عفافا . وقيل هي حال . وقيل هو متصل بأول السورة ، يعنى قم نذيرا وهو من بدع التفاسير . وفي قراءة أبى نذير بالرفع خبر بعد خبر لان أو بحذف المبتدأ ( أن يتقدم ) في موضع الرفع بالابتداء ، ولمن شاء خبر مقدم عليه كقولك لمن توضأ أن يصلى ، ومعناه : مطلق لمن شاء التقدم أو التأخر أن يتقدم أو يتأخر ، والمراد بالتقدم والتأخير السبق إلى الخير والتخلف عنه وهو كقوله - فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر - ويجوز أن يكون لمن شاء بدلا من للبشر على أنها منذرة للمكلفين الممكنين الذين إن شاءوا تقدموا ففازوا وإن شاءوا تأخروا فهلكوا ( رهينة ) ليست بتأنيث رهين في قوله - كل امرئ بما كسب رهين - لتأنيث النفس لأنه لو قصدت الصفة لقيل رهين ، لان فعيلا بمعنى مفعول يستوى فيه المذكر والمؤنث ، وإنما هي اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم كأنه قيل : كل نفس بما كسبت رهن ، ومنه بيت الحماسة : أبعد الذي بالنعف نعف كويكب * رهينة رمس ذي تراب وجندل كأنه قال : رهن رمس ، والمعنى : كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك ( إلا أصحاب اليمين ) فإنهم فكوا عنه رقابهم بما أطابوه من كسبهم كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق . وعن علي رضي الله عنه أنه فسر