وقدر . فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر . ثم نظر . ثم عبس وبسر . ثم أدبر
واستكبر . فقال إن هذا إلا سحر يؤثر . إن هذا إلا قول البشر . سأصليه سقر .
وما أدراك ما سقر . لا تبقى ولا تذر . لواحة للبشر . عليها تسعة عشر .
شرح
ذلك بعناده ، ويكون قوله إنه فكر بدلا من قوله - إنه كان لا يأتنا عنيدا - بيانا لكنه عناده ، ومعناه : فكر ماذا يقول
في القرآن ( وقدر ) في نفسه ما يقوله وهيأه ( فقتل كيف قدر ) تعجيب من تقديره وإصابته فيه المحز ورميه الغرض
الذي كان تنتحيه قريش ، أو ثناء عليه على طريقة الاستهزاء به ، أو هي حكاية لما كرروه من قولهم : قتل كيف
قدر ، تهكما بهم وبإعجابهم بتقديره واستعظامهم لقوله . ومعنى قول القائل : قتله الله ما أشجعه وأخزاه الله
ما أشعره ، الاشعار بأن قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك . روى أن الوليد قال بنى
مخزوم : والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الانس ولا من كلام الجن ، إن له لحلاوة وإن عليه
لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسلفه لمغدق ، وإنه يعلو وما يعلى ، فقالت قريش : صبأ والله الوليد ، والله
لتصبأن قريش كلهم ، فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه ، فقعد إليه حزينا وكلمه بما أحماه ، فقام فأتاهم فقال :
تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق ؟ وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه قط يتكهن ؟ وتزعمون أنه شاعر
فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط ؟ وتزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب ؟ فقالوا : في كل ذلك اللهم
لا ، ثم قالوا فما هو ؟ ففكر فقال : ما هو إلا ساحر ، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه ؟ وما
الذي يقوله إلا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل ، فارتج النادي فرحا وتفرقوا معجبين بقوله متعجبين منه
( ثم نظر ) في وجوه الناس ثم قطب وجهه ثم زحف مدبرا وتشاوس مستكبرا لما خطرت بباله الكلمة الشنعاء وهم
بأن يرمى بها . وصف أشكاله التي تشكل بها حتى استنبط ما استنبط استهزاء به . وقيل قد رما يقوله ثم نظر فيه ثم
عبس لما ضاقت عليه الحيل ولم يدر ما يقول . وقيل قطب في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ثم أدبر ) عن
الحق ( واستكبر ) عنه فقال ما قال ، وثم نظر عطف على فكر وقدر والدعاء اعتراض بينهما . فإن قلت : ما معنى
ثم الداخلة في تكرير الدعاء ؟ قلت : الدلالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى ونحوه قوله :
* ألا يا اسلمى ثم اسلمى ثمت اسلمى * فإن قلت : ما معنى المتوسطة بين الافعال التي بعدها ؟ قلت : الدلالة
على أنه قد تأنى في التأمل وتمهل ، وكان بين الافعال المتناسقة تراخ وتباعد . فإن قلت : فلم قيل ( فقال إن هذا )
بالفاء بعد عطف ما قبله بثم ؟ قلت : لان الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبث .
فإن قلت : فلم لم يوسط حرف العطف بين الجملتين ؟ قلت : لان الأخرى جرت من الأولى مجرى التوكيد من
المؤكد ( سأصليه سقر ) بدل من سأرهقه صعودا ( لا تبقى ) شيئا فيها إلا أهلكته وإذا هلك لم تذره هالكا حتى
يعاد ، أو لا تبقى على شئ ولا تدعه من الهلاك بل كل ما يطرح فيها هالك لا محالة ( لواحة ) من لوح الهجير ، قال :
تقول ما لأحك يا مسافر * يا ابنة عمى لأحنى الهواجر
قيل تلفح الجلد لفحة فتدعه أشد سوادا من الليل . والبشر : أعالي الجلود . وعن الحسن : تلوح للناس كقوله
- ثم لترونها عين اليقين - وقرئ لواحة نصبا على الاختصاص للتهويل ( عليها تسعة عشر ) أي يلي أمرها ويتسلط