وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن
الذين أتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا
شرح
على أهلها تسعة عشر ملكا ، وقيل صنفا من الملائكة ، وقيل صفا ، وقيل نقيبا . وقرئ تسعة عشر بسكون العين
لتوالى الحركات فيما هو في حكم اسم واحد ، وقرئ تسعة أعشر جمع عشير مثل يمين وأيمن ، جعلهم ملائكة لأنهم
خلاف جنس المعذبين من الجن والإنس فلا يأخذهم ما أيخذ المجانس من الرأفة والرقة ولا يستروحون إليهم ،
ولأنهم أقوم من خلق الله بحق الله وبالغضب له فتؤمن هوادتهم ، ولأنهم أشد الخلق بأسا وأقواهم بطشا . عن
عمرو بن دينار : واحد منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر . وعن النبي صلى الله عليه
وسلم " كأن أعينهم البرق وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشعارهم ، لأحدهم مثل قوة الثقلين ، يسوق أحدهم
الأمة وعلى رقته جبل فيرمى بهم في النار ويرمى بالجبل عليهم " وروى أنه لما نزلت عليها تسعة عشر قال
أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم ، أيعجز كل
عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم ؟ فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش : أنا أكفيكم
سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين ، فأنزل الله ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) أي ما جعلناهم رجلا من
جنسكم يطاقون . فإن قلت : قد جعل افتتان الكافرين بعدة الزبانية سببا لاستيقان أهل الكتاب وزيادة إيمان
المؤمنين واستهزاء الكافرين والمنافقين فما وجه صحة ذلك ؟ قلت : ما جعل افتتانهم بالعدة سببا لذلك وإنما العدة
نفسها هي التي جعلت سببا ، وذلك أن المراد بقوله ( وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ) وما جعلنا عدتهم إلا
تسعة عشر فوضع فتنة للذين كفروا موضع تسعة عشر ، لان حال هذه العدة الناقصة واحدا من عقد العشرين
أن يفتتن بها من لا يؤمن بالله وبحكمته ويعترض ويستهزئ ولا يذعن إذعان المؤمن وإن خفى عليه وجه الحكمة ،
كأنه قيل : ولقد جعلنا عدتهم عدة من شأنها أن يفتتن بها لأجل استيقان المؤمنين وحيرة الكافرين واستيقان أهل
الكتاب لان عدتهم تسعة عشر في الكتابين ، فإذا سمعوا بمثلها في القرآن أيقنوا أنه منزل من الله وازدياد المؤمنين
إيمانا لتصديقهم بذلك كما صدقوا سائر ما أنزل ولما رأوا من تسليم أهل الكتاب وتصديقهم أنه كذلك . فإن قلت :