تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
كأنهم حمر مستنفرة ، فرت من قسورة ، بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ، كلا بلا يخافون الآخرة ، كلا إنها تذكرة ، فمن شاء ذكره ، وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل المغفرة .
شرح
يتصدونها ، وقيل الأسد ، يقال ليوث قساور وهى فعولة من القسر وهو القهر والغلبة وفي وزنه الحيدرة من أسماء الأسد . وعن ابن عباس : ركز الناس وأصواتهم . وعن عكرمة : ظلمة الليل ، شبههم في إعراضهم عن القرآن واستماع الذكر والموعظة وشرادهم عنه بحمر جدت في نفارها مما أفزعها ، وفى تشبيههم بالحمر مذمة ظاهرة وتهجين لحالهم بين كما في قوله تعالى - كمثل الحمار يحمل أسفارا - وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل ، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش واطرادها في العدو إذا رابها رائب ، ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب في وصف الإبل وشدة سيرها بالحمر وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص ( صحفا منشرة ) قراطيس تنشر وتقرأ كالكتب التي يتكاتب بها أو كتبا كتبت في السماء ونزلت بها الملائكة ساعة كتبت منشرة على أيديها غضة رطبة لم تطو بعد . وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لن نتبعك حتى تأتى كل واحد منا بكتب من السماء عنوانها من رب العالمين إلى فلان بن فلان نؤمر فيها باتباعك ، ونحوه قوله - ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه - وقال - ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم - الآية ، وقيل قالوا : إن كان محمد صادقا فليصبح عند رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار . وقيل كانوا يقولون : بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح مكتوبا على رأسه ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك ، وهذا من الصحف المنشرة بمعزل إلا أن يراد بالصحف المنشرة الكتابات الظاهرة المكشوفة . وقرأ سعيد بن جبير صحفا منشرة بتخفيفهما على أن أنشر الصحف ونشرها واحد كأنزله ونزله . ردعهم بقوله ( كلا ) عن تلك الإرادة وزجرهم عن اقتراح الآيات ثم قال ( بل لا يخافون الآخرة ) فلذلك أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف ثم دعهم عن إعراضهم عن التذكرة وقال ( إنه تذكرة ) يعنى تذكرة بليغة كافية منهم أمرها في الكفاية ( فمن شاء ) أن يذكره ولا ينساه ويجعله نصب عينه فعل ، فإن نفع ذلك راجع إليه ، والضمير في إنه و ( ذكره ) للتذكرة في قوله - فما لهم عن التذكرة معرضين - وإنما ذكر لأنها في معنى الذكر أو القرآن ( وما يذكرون إلا أن يشاء الله ) يعنى إلا أن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه لان مطبوع على قلوبهم معلوم أنهم لا يؤمنون اختيارا ( هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) هو حقيق بأن يتقيه عباده ويخافوا عقابه فيؤمنوا ويطيعوا ، وحقيق بأن يغفر لهم إذا آمنوا وأطاعوا . وروى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " هو أهل أن يتقى وأهل أن يغفر لمن اتقاه " . وقرئ يذكرون بالياء والتاء مخففا ومشددا . عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة المدثر أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد وكذب به بمكة " .
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 188 | الزمخشري