تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
نصفه أو انقص منه قليلا . أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا .
شرح
المعنى يا أيها الذي زمل أمرا عظيما : أي حمله ، والزمل الحمل وأزمله احتمله . وقرئ قم الليل بضم الميم وفتحها قال عثمان بن جنى : الغرض بهذه الحركة التبلغ بها هربا من التقاء الساكنين فبأي الحركات تحرك فقد وقع الغرض ( نصفه ) بدل من الليل وإلا قليلا استثناء من النصف كأنه قال : قم أقل من نصف الليل والضمير في منه وعليه للنصف ، والمعنى : التخيير بين أمرين : بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت وبين أن يختار أحد الامرين وهما النقصان من النصف والزيادة عليه ، وإن شئت جعلت نصفه بدلا من قليلا ، وكان تخييرا بين ثلاث : بين قيام النصف بتمامه ، وبين قيام الناقص منه ، وبين قيام الزائد عليه ، وإنما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل ، وإن شئت قلت لما كان معنى قم الليل إلا قليلا نصفه إذا أبدلت النصف من الليل قم أقل من نصف الليل ، رجع الضمير في منه وعليه إلى الأقل من النصف فكأنه قيل : قم أقل من نصف الليل أو قم أنقص من ذلك الأقل أو أزيد منه قليلا ، فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث . ويجوز إذا أبدلت نصفه من قليلا وفسرته به أن تجعل قليلا الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع كأنه قيل : أو انقص منه قليلا نصفه ، وتجعل المزيد على هذا القليل : أعني الربع نصف الربع كأنه قيل : أو زد عليه قليلا نصفه . ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة الثلث فيكون تخييرا بين النصف والثلث والربع . فإن قلت : أكان القيام فرضا أم نفلا ؟ قلت : عن عائشة رضي الله عنها أن الله جعله تطوعا بعد أن كان فريضة . وقيل كان فرضا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ثم نسخ بهن إلا ما تطوعوا به . وعن الحسن : كان قيام ثلث الليل فريضة وكانوا على ذلك سنة . وقيل كان واجبا وإنما وقع التخيير في المقدار ثم نسخ بعد عشر سنين . وعن الكلبي : كان يقوم الرجل حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين . ومنهم من قال : كان نفلا بدليل التخيير في المقدار ولقوله تعالى - ومن الليل فتهجد به نافلة لك - ترتيلا القرآن قراءته على ترسل وتؤدة بتبيين الحروف وإشباع الحركات حتى يجئ المتلو منه شبيها بالثغر المرتل وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان ، وأن لا يهذه هذا ولا يسرده سردا كما قال عمر رضي الله عنه : شر السير الحقحقة ( 1 ) ، وشر القراءة الهذرمة حتى يشبه المتلو في تتابعه الثغر الالص . وسئلت عائشة رضي الله عنها عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا كسردكم هذا ، لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها . و ( ترتيلا ) تأكيد في إيجاب الامر به وأنه ما لابد منه للقارئ . هذه الآية اعتراض ، ويعنى بالقول الثقيل القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين وخاصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه متحملها بنفسه ومحملها أمته ، فهي أثقل عليه وأبهظ له . وأراد بهذا الاعتراض أن ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن ، لان الليل وقت السبات والراحة والهدو ، فلا بد لمن أحياه من مضادة لطبعه ومجاهدة لنفسه . وعن ابن عباس رضي الله عنه " كان إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربد له جلده " وعن عائشة رضي الله عنها " رأيته عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليرفض عرقا "
هامش
( 1 ) ( قوله الحقحقة الخ ) . كتب عليه بالحاءين المهملتين : شدة السير . والهذرمة بمعنى الهذ . والالص : متقارب الأسنان . وقوله بعد وتربد معناه : وتعبس اه‍ مصححه .
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 175 | الزمخشري