وتبتل إليه تبتيلا . رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا . واصبر على
ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا . وذرني والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا إن
لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما . يوم ترجف الأرض والجبال
وكانت الجبال كثيبا مهيلا . إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا
إلى فرعون رسولا .
شرح
ودراسة علم وغير ذلك مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغرق به ساعات ليله ونهاره ( وتبتل إليه ) وانقطع
إليه . فإن قلت : كيف قيل ( تبتيلا ) مكان تبتلا ؟ قلت : لان معنى تبتل بتل نفسك ، فجئ به على معناه مراعاة
لحق الفواصل ( رب المشرق والمغرب ) قرئ مرفوعا على المدح ومجرورا على البدل من ربك . وعن ابن عباس
على القسم بإضمار حرف القسم كقولك الله لأفعلن ، وجوابه ( لا إله إلا هو ) كما تقول والله لا أحد في الدار إلا
زيد . وقرأ ابن عباس : رب المشارق والمغارب ( فاتخذه وكيلا ) مسبب على التهليلة لأنه هو وحده الذي يجب
لتوحده بالربوبية أن توكل إليه الأمور . وقيل وكيلا كفيلا بما وعدك من النصر والاظهار . الهجر الجميل : أن
يجانبهم بقلبه وهواه ويخالفهم مع حسن المخالقة والمداراة والاغضاء ترك المكافأة . وعن أبي الدرداء رضي الله عنه
" إنا لنكشر في وجوه قوم ونضحك إليهم وإن قلوبنا لتقليهم " . وقيل هو منسوخ بآية السيف . إذا عرف الرجل
من صاحبه أنه مستهم بخطب يريد أن يكفاه أو بعدو يشتهى أن ينتقم له منه وهو مضطلع بذلك مقتدر عليه قال :
ذرني وإياه : أي لا تحتاج إلى الظفر بمرادك ومشتهاك إلا أن تخلى بيني وبينه بأن تكل أمره إلى وتستكفينيه فإن في
ما يفرغ بالك ويجلى همك ، وليس ثم منع حتى يطلب إليه أن يذره وإياه إلا ترك الاستكفاء والتفويض كأنه إذا
لم يكل أمره إليه فكأنه منعه منه ، فإذا وكله إليه فقد أزال المنع وتركه وإياه . وفيه دليل على الوثوق بأنه يتمكن
من الوفاء بأقصى ما تدور حوله أمنية المخاطب وبما يزيد عليه . النعمة بالفتح التنعم وبالكسر الانعام وبالضم المسرة ،
يقال : نعم ونعمة عين ، وهم صناديد قريش وكانوا أهل تنعم وترفه ( إن لدينا ) ما يضاد تنعمهم من أنكال وهى
القيود الثقال . عن الشعبي : إذا ارتفعوا استفلت بهم الواحد نكل ونكل ، ومن جحيم وهى النار الشديدة الحر
والاتقاد ، ومن طعام ذي غصة وهو الذي ينشب في الحلوق فلا يساغ : يعنى الضريع وشجر الزقوم ، ومن
عذاب أليم : من سائر العذاب فلا ترى موكولا إليه أمرهم موذورا بينه وبينهم ينتقم منهم بمثل ذلك الانتقام . وروى
" أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فصعق " . وعن الحسن أنه أمسى صائما فأتى بطعام فعرضت له هذه الآية
فقال : ارفعه ، ووضع عنده الليلة الثانية فعرضت له فقال : ارفعه ، وكذلك الليلة الثالثة ، فأخبر ثابت البناني
ويزيد الضبي ويحيى البكاء فجاءوا فلم يزالوا به حتى شرب شربة من سويق ( يوم ترجف ) منصوب بما في لدينا ،
والرجفة : الزلزلة الشديدة . والكثيب : الرمل المجتمع من كثب الشئ إذا جمعه كأنه فعيل بمعنى مفعول في أصله ،
ومنه الكثبة من اللبن ، قالت الضائنة : أجز جفالا واحلب كثبا عجالا أي كانت مثل رمل مجتمع هيل هيلا : أي
نثر وأسيل . الخطاب لأهل مكة ( شاهدا عليكم ) يشهد عليكم يوم القيامة بكفركم وتكذيبكم . فإن قلت : لم نكر