تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
ما لكم لا ترجون لله وقارا . وقد خلقكم أطوارا . ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا . وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا . والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا . والله جعل لكم الأرض بساطا . لتسلكوا منها سبلا فجاجا . قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا .
شرح
بساتين ( لا ترجون لله وقارا ) لا تأملون له توقيرا : أي تعظيما ، والمعنى : مالكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب ، ولله بيان للموقر ولو تأخر لكان صلة للوقار ، وقوله ( وقد خلقكم أطوارا ) في موضع الحال كأنه قال : مالكم لا تؤمنون بالله والحال هذه وهى حال موجبة للايمان به لأنه خلقكم أطوارا : أي تارات : خلقكم أولا ترابا ثم خلقكم نطفا ثم خلقكم علقا ثم خلقك مضعا ثم خلقكم عظاما ولحما ثم أنشأكم خلقا آخر ، أو لا تخافون لله حلما وترك معاجلة العقاب فتؤمنوا . وقيل مالكم لا تخافون لله عظمة . وعن ابن عباس : لا تخافون لله عاقبة لان العاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب من وقر إذا ثبت واستقر . نبههم على النظر في أنفسهم أولا لأنها أقرب منظور فيه منهم ، ثم على النظر في العالم وما سوى فيه من العجائب الشاهدة على الصانع الباهر قدرته وعلمه من السماوات والأرض والشمس والقمر ( فيهن ) في السماوات وهو في السماء الدنيا ، لان بين السماوات ملابسة من حيث إنها طباق ، فجاز أن يقال فيهن كذا وإن لم يكن في جميعهن كما يقال في المدينة كذا وهو في بعض نواحيها . وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما : إن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السماء وظهورهما مما يلي الأرض ( وجعل الشمس سراجا ) يبصر أهل الدنيا في ضوئها كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره ، والمقر ليس كذلك إنما هو نور لم يبلغ قوة ضياء الشمس ، ومثله قوله تعالى - هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا - والضياء أقوى من النور . أستعير الانبات للانشاء كما يقول زرعك الله للخير ، وكانت هذه الاستعارة أدل على الحدوث لأنهم إذا كانوا نباتا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات ، ومنه قيل للحشوية النابتة والنوابت لحدوث مذهبهم في الاسلام من غير أولية لهم فيه ، ومنه قولهم نجم فلان لبعض المارقة ، والمعنى : أنبتكم فنبتم نباتا ، أو نصب بأنبتكم لتضمنه معنى نبتم ( ثم يعيدكم فيها ) مقبورين ثم ( يخرجكم ) يوم القيامة . وأكده بالمصدر كأنه قال : يخرجكم حقا ولا محالة . جعلها بساطا مبسوطة تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه ( فجاجا ) واسعة منفجة ( واتبعوا ) رؤوسهم المقدمين أصحاب الأموال والأولاد وارتسموا ما رسموا لهم من التمسك بعبادة الأصنام . وجعل أموالهم وأولادهم التي لم تزدهم إلا وجاهة ومنفعة في الدنيا زائدة ( خسارا ) في الآخرة وأجرى ذلك مجرى صفة لازمة لهم وسمة يعرفون بها تحقيقا له وتثبيتا وإبطالا لما سواه
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 163 | الزمخشري