مهطعين . عن اليمين وعن الشمال عزين . أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة
نعيم . كلا إنا خلقناهم مما يعلمون . فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا
قادرون . على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين فذرهم يخوضوا ويلعبوا
حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون . يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى
نصب يوفضون . خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون .
شرح
قبلهم فنزلت ( مهطعين ) مسرعين نحوك مادي أعناقهم إليك مقبلين بأبصارهم عليك ( عزين ) فرقا شتى جمع
عزة وأصلها عزوة كأن كل فرقة تعتزى إلى غير من تعتزى إليه الأخرى فهم مفترقون ، قال الكميت :
ونحن وجندل باغ تركنا * كتائب جندل شتى عزينا
وقيل كان المستهزئون خمسة أرهط ( كلا ) ردع لهم عن طمعهم في دخول الجنة ثم علل ذلك بقوله ( إنا خلقناهم
مما يعلمون ) إلى آخر السورة ، وهو كلام دال على إنكارهم البعث فكأنه قال : كلا إنهم منكرون للبعث والجزاء
فمن أين يطمعون في دخول الجنة ؟ فإن قلت : من أي وجه دل هذا الكلام على إنكار البعث ؟ قلت : من حيث
إنه احتجاج عليهم بالنشأة الأولى كالاحتجاج بها عليهم في مواضع من التنزيل وذلك قوله - خلقناهم مما يعلمون -
أي من النطف وبالقدرة على أن يهلكهم ويبدل ناسا خيرا منهم ، وأنه ليس بمسبوق على ما يريد تكوينه لا يعجزه
شئ ، والغرض أن من قدر على ذلك لم تعجزه الإعادة . ويجوز أن يراد إنا خلقناهم مما يعلمون : أي من النطفة
المذرة وهى منصبهم الذي لا منصب أوضع منه ، ولذلك أبهم وأخفى إشعارا بأنه منصب يستحيا من ذكره ، فمن
أين يتشرفون ويدعون التقدم ويقولون لندخلن الجنة قبلهم ؟ وقيل معناه : إنا خلقناهم من نطفة كما خلقنا بني آدم
كلهم ومن حكمنا أن لا يدخل أحد منهم الجنة إلا بالايمان والعمل الصالح فلم يطمع أن يدخلها من ليس له
إيمان وعمل ؟ وقرئ برب المشرق والمغرب ويخرجون ومن الأجداث سراعا بالاظهار والادغام
ونصب ونصب ، وهو كل ما نصب فعبد من دون الله ( يوفضون ) يسرعون إلى الداعي مستبقين كما كانوا يستبقون
إلى أنصابهم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة سأل سائل أعطاه الله ثواب الذين هم لأماناتهم
وعهدهم راعون "