ومكروا مكرا كبارا . وقالوا لا تذرن آهلتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث
ويعوق ونسرا . وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا . مما خطاياهم .
شرح
وقرئ وولده بضم الواو وكسرها ( ومكروا ) معطوف على لم يزده ، وجمع الضمير وهو راجع إلى من لأنه في
معنى الجمع . والماكرون هم الرؤساء ، ومكرهم احتيالهم في الدين وكيدهم لنوح وتحريش الناس على أذاه وصدهم
عن الميل إليه والاستماع منه ، وقولهم لهم لا تذرن آلهتكم إلى عبادة رب نوح ( مكرا كبارا ) قرئ بالتخفيف
والتثقيل والكبار أكبر من الكبير والكبار أكبر من الكبار ونحوه طوال وطوال ( ولا تذرن ودا ) كأن هذه
المسميات كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم فخصوها بعد قولهم لا تذرن آلهتكم ، وقد انتقلت هذه الأصنام
عن قوم نوح إلى العرب ، فكان ود لكلب وسواع لهمدان ويغوث لمذحج ويعوق لمراد ونسر لحمير ، ولذلك
سمت العرب بعبدود وعبد يغوث . وقيل هي أسماء رجال صالحين . وقيل من أولاد آدم ماتوا ، فقال إبليس لمن
بعدهم : لو صورتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم ؟ ففعلوا ، فلما مات أولئك قال لمن بعدهم : إنهم كانوا يعبدونهم
فعبدوهم . وقيل كان ود على صورة رجل وسواع على صورة امرأة ويغوث على صورة أسد ويعوق على صورة
فرس ونسر على صورة نسر . وقرئ ودا بضم الواو ، وقرأ الأعمش ولا يغوثا ويعوقا بالصرف ، وهذه قراءة
مشكلة لأنهما إن كان عربيين أو عجميين ففيهما سببا منع الصرف : إما التعريف ووزن الفعل ، وإما التعريف
والعجمة ، ولعله قصد الازدواج فصرفهما لمصادفته أخواتهما منصرفات ودا وسواعا ونسرا ، كما قرئ وضحاها
بالإمالة لوقوعه مع الممالات للازدواج ( وقد أضلوا ) الضمير للرؤساء ومعناه : وقد أضلوا ( كثيرا ) قبل هؤلاء
الموصين بأن يتمسكوا بعبادة الأصنام ليسوا بأول من أضلوهم ، أو وقد أضلوا بإضلالهم كثيرا : يعنى أن هؤلاء
المضلين فيهم كثرة ، ويجوز أن يكون للأصنام كقوله تعالى - إنهن أضللن كثيرا من الناس - فإن قلت : علام عطف
قوله ( ولا تزد الظالمين ) ؟ قلت : على قوله رب إنهم عصوني على حكاية كلام نوح عليه السلام بعد قال وبعد
الواو النائبة عنه ، ومعناه : قال رب إنهم عصوني ، وقال : لا تزد الضالمين إلا ضلالا : أي قال هذين القولين
وهما في محل النصب لأنهما مفعولا قال كقولك : قال زيد نودي للصلاة وصل في المسجد ، تحكى قوليه معطوفا
أحدهما على صاحبه . فإن قلت : كيف جاز أن يريد لهم الضلال ويدعوا الله بزيادته ؟ قلت : المراد بالضلال أن
يخذلوا ويمنعوا الألطاف لتصميمهم على الكفر ووقوع اليأس من إيمانهم وذلك حسن جميل يجوز الدعاء به ، بل
لا يحسن الدعاء بخلافه . ويجوز أن يريد بالضلال الضياع والهلاك لقوله تعالى - ولا تزد الظالمين إلا تبارا - . تقديم
( مما خطاياهم ) لبيان أن لم يكن إغراقهم بالطوفان فإدخالهم النار إلا من أجل خطيئاتهم ، وأكد هذا المعنى بزيادة ما
وفى قراءة ابن مسعود من خطيئاتهم ما أغرقوا بتأخير الصلة ، وكفى بها مزجرة لمرتكب الخطايا ، فإن كفر قوم نوح
كان واحدة من خطيئاتهم وإن كانت كبراهن ، وقد نعيت عليهم سائر خطيئاتهم كما نعى عليهم كفرهم ولم يفرق
بينه وبينهن في استيجاب العذاب لئلا يتكل المسلم الخاطئ على إسلامه ويعلم أن معه ما يتسوجب به العذاب وإن