إني ظننت أنى ملاق حسابيه . فهو في عيشه راضية في جنة عالية . قطوفها دانية .
كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية . وأما من أوتى كتابه بشماله
فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه . ولم أدرما حسابيه . يا ليتها كانت القاضية . ما أغنى
عنى ماليه . هلم عنى سلطانيه . خذوه فغلوه . ثم الجحيم صلوه . ثم في سلسلة
ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه .
شرح
استحب إيثار الوقف إيثارا لثباتها في المصحف . وقيل لا بأس بالوصل والاسقاط . وقرأ ابن محيصن بإسكان الياء
بغير هاء . وقرأ جماعة بإثبات الهاء في الوصل والوقف جميعا لاتباع المصحف ( ظننت ) علمت ، وإنما أجرى الظن
مجرى العلم لان الظن الغالب يقام مقام العلم في العادات والاحكام ، ويقال أظن ظنا كاليقين أن الامر كيت وكيت
( راضية ) منسوبة إلى الرضا كالدارع والنابل والنسبة نسبتان نسبة بالحرف ونسبة بالصيغة أو جعل الفعل لها مجازا
وهو لصاحبها ( عالية ) مرتفعة المكان في السماء أو رفيعة الدرجات أو رفيعة المباني والقصور والأشجار ( دانية )
ينالها القاعد والنائم ، يقال لهم ( كلوا واشربوا هنيئا ) أكلا وشربا هنيئا أو هنيتم هنيئا على المصدر ( بما أسفتم ) بما
قدمتم من الأعمال الصالحة في الأيام الخالية ) الماضية من أيام الدنيا . وعن مجاهد : أيام الصيام : أي كلوا
واشربوا بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله . وروى " يقول الله عزو جل : يا أوليائي طالما نظرت إليكم
في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة وغارت أعينكم وخمصت بطونكم ، فكونوا اليوم في نعيمكم وكلوا
واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية " . الضمير في ( يا ليتها ) للموتة يقول يا ليت الموتة التي منها ( كانت
القاضية ) أي القاطعة لأمري فلم أبعث بعدها ولم ألق ما ألقى ، أو للحالة : أي ليت هذه الحالة كانت الموتة التي
قضت على لأنه رأى تلك الحالة أبشع وأمر مما ذاقه من مرارة الموت وشدته فتمناه عندها ( ما أغنى ) نفى أو
استفهام على وجه الانكار : أي أي شئ أغنى عنى ما كان لي من اليسار ( هلك عنى سلطانية ) ملكي وتسلطي
على الناس وبقيت فقيرا ذليلا . وعن ابن عباس : أنها نزلت في الأسود بن عبد الأشد . وعن فناخسرو الملقب
بالعضد أنه لما قال :
عضد الدولة وابن ركنها * ملك الاملاك غلاب القدر
لم يفلح بعده وجن فكان لا ينطلق لسانه إلا بهذه الآية . وقال ابن عباس : ضلت عنى حجتي ، ومعناه : بطلت
حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا ( ثم الجحيم صلوه ) ثم لاتصلوه إلا الجحيم وهى النار العظمى لأنه كان سلطانا
يتعظم على الناس ، يقال صلى النار وصلاة النار . سلكه في السلسلة : أن تلوى على جسده حتى تلتف عليه أثناؤها
وهو فيما بنيها مرهق مضيق عليه لا يقدر على حركة . وجعلها سبعين ذراعا إرادة الوصف بالطول كما قال - إن