إنه كان لا يؤمن بالله العظيم . ولا يحض على طعام المسكين . فليس له اليوم
هاهنا حميم . ولا طعام إلا من غسلين . لا يأكله إلا الخاطئون . فلا أقسم بما
تبصرون ومالا تبصرون . إنه لقول رسول كريم . وما هو بقول شاعر قليلا
ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون . تنزيل من رب العالمين . ولو تقول
علينا بعض الأقاويل .
شرح
تستغفر لهم سبعين مرة - يريد مرات كثيرة ، لأنها إذا طالت كان الارهاق أشد ، والمعنى في تقديم السلسلة على
السلك مثله في تقديم الجحيم على التصلية : أي لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة كأنها أفظع من سائر مواضع الارهاق
في الجحيم ، ومعنى ثم : الدلالة على تفاوت ما بين الغل والتصلية بالجحيم وما بينها وبين السلك في السلسلة لا على
تراخى المدة ( إنه ) تعليل على طريق الاستئناف ، وهو أبلغ كأنه قيل : ماله يعذب هذا العذاب الشديد فأجيب
بذلك . وفى قوله ( ولا يحض على طعام المسكين ) دليلان قويان على عظم الجرم في حرمان المسكين : أحدهما عطفه
على الكفر وجعله قرينة له ، والثاني : ذكر الحض دون الفعل ليعلم أن تارك الحض بهذه المنزلة فيكف بتارك
الفعل ، وما أحسن قول القائل :
إذا نزل الأضياف كان عذورا * على الحي حتى تستقل مراجله
يريد حضهم على القرى واستعجلهم وتشاكس عليهم . وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق
لأجل المساكين وكان يقول خلعنا نصف السلسلة بالايمان أفلا نخلع نصفها الاخر . وقيل هو منع الكفار وقولهم
- أنطعم من لو يشاء الله أطعمه - والمعنى على بذل طعام المسكين ( حميم ) قريب يدفع عنه ويحزن عليه لأنهم يتحامونه
ويفرون منه كقوله - ولا يسأل حميم حميما - . والغسلين : غسالة أهل النار وما يسيل من أبدانهم من الصديد والدم ،
فعلين من الغسل ( الخاطئون ) الآثمون أصحاب الخطايا ، وخطئ الرجل إذا تعمد الذنب وهم المشركون ، عن ابن
عباس . وقرئ الخاطيون بإبدال الهمزة ياء والخاطون بطرحها . وعن ابن عباس : ما الخاطون كلنا نخطو . وروى
عنه أبو الأسود الدؤلي : ما الخاطون إنما هو الخاطئون ، ما الصابون إنما هو الصابئون . ويجوز أن يراد الذين
يتخطون الحق إلى الباطل ويتعدون حدود الله . هو إقسام بالأشياء كلها على الشمول والإحاطة لأنها لا تخرج من
قسمين : مبصر ، وغير مبصر . وقيل الدنيا والآخرة والأجسام والأرواح والانس والجن والخلق والخالق
والنعم الظاهرة والباطنة ، إن هذا القرآن ( لقول رسول كريم ) أي يقوله ويتكلم به على وجه الرسالة من عند الله ( وما
هو بقول شاعر ) ولا كاهن كما تدعون * والقلة في معنى العدم : أي لا تؤمنون ولا تذكرون البتة ، والمعنى :
ما أكفركم وما أغفلكم ( تنزيل ) هو تنزيل بيانا لأنه قول رسول نزل عليه ( من رب العالمين ) وقرأ أبو السمال
تنزيلا : أي نزل تنزيلا ، وقيل الرسول الكريم جبريل عليه السلام وقوله - وما هو بقول شاعر - دليل على أنه
محمد صلى الله عليه وسلم ، لان المعنى على إثبات أنه رسول لا شاعر ولا كاهن . التقول افتعال القول لان فيه تكلفا