أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون . أم عندهم الغيب فهم يكتبون . فاصبر
لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم . لولا أن تداركه نعمة
من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم . فاجتباه ربه فجعله من الصالحين . وإن يكاد
الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون . وما
هو إلا ذكر للعالمين .
شرح
وسمى إحسانه وتمكينه كيدا كما سماء استدراجا لكون في صورة الكيد حيث كان سببا للتورط في الهلكة . ووصفه
بالمتانة لقوة أثر إحسانه في التسبب للهلاك .
المغرم الغرامة : أي لم تطلب منهم على الهداية والتعليم أجرا فيثقل عليهم
حمل الغرامات في أموالهم فيثبطهم ذلك عن الإيمان ( أم عندهم الغيب ) أي اللوح ( فهم يكتبون ) منه ما يحكمون به
( لحكم ربك ) وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم ( ولا تكن كصاحب الحوت ) يعنى يونس عليه السلام ( إذ
نادى ) في بطن الحوت ( وهو مكظوم ) مملوء غيظا من كظم السقاء إذا ملأه ، والمعنى : لا يوجد منك ما وجد منه
من الضجر والمغاضبة فتبتلى ببلائه . حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في تداركه . وقرأ ابن عباس وابن مسعود
تداركته ، وقرأ الحسن تداركه : أي تتداركه على حكاية الحال الماضية بمعنى لولا أن كان يقال فيه تتداركه كما
يقال كان زيد سيقوم فمنعه فلان : أي كان يقال فيه سيقوم ، والمعنى : كان متوقعا منه القيام . ونعمة ربه أن أنعم
عليه بالتوفيق للتوبة وتاب عليه ، وقد اعتمد في جواب لولا على الحال أعني قوله ( وهو مذموم ) يعنى أن حاله
كانت على خلاف الذم حين نبذ بالعراء ولولا توبته لكانت حاله على الذم . روى أنها نزلت بأحد حين حل
برسول الله صلى الله عليه وسلم ما حل به فأراد أن يدعو على الذين انهزموا . وقيل حين أراد أن يدعو على ثقيف ،
وقرئ رحمة من ربه ( فاجتباه ربه ) فجمعه إليه وقربه بالتوبة عليه كما قال - ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى -
( فجعله من الصالحين ) أي من الأنبياء . وعن ابن عباس : رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه . أن مخففة
من الثقيلة واللام علمها . وقرئ ليزلقونك بضم الياء وفتحها وزلقه وأزلقه بمعنى ، ويقال زلق الرأس وأزلقه
حلقه ، وقرئ ليزهقونك من زهقت نفسه وأزهقها : يعنى أنهم من شدة تحديقهم ونظرهم إليك شزرا بعيون
العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك من قولهم نظر إلى نظرا يكاد يصرعني ويكاد يأكلني : أي
لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله ، قال :
يتقارضون إذا التقوا في موطن * نظرا يزل مواطئ الأقدام
وقيل كانت العين في بنى أسد فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شئ فيقول فيه : لم أر كاليوم
مثله إلا عانة ، فأريد بعض العيانين على أن يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ، فقال : لم أر كاليوم
رجلا فعصمه الله . وعن الحسن : دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية ( لما سمعوا الذكر ) أي القرآن لم يملكوا
أنفسهم حسدا على ما أوتيت من النبوة ( ويقولون إنه لمجنون ) حيرة في أمره وتنفيرا عنه وإلا فقد علموا أنه أعقلهم ،
والمعنى : أنهم جننوه لأجل القرآن ( وما هو إلا ذكر ) وموعظة ( للعالمين ) فكيف يجنن من جاء بمثله . عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة القلم أعطاه الله ثواب الذين حسن الله أخلاقهم " .