تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون . أم عندهم الغيب فهم يكتبون . فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم . لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم . فاجتباه ربه فجعله من الصالحين . وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون . وما هو إلا ذكر للعالمين .
شرح
وسمى إحسانه وتمكينه كيدا كما سماء استدراجا لكون في صورة الكيد حيث كان سببا للتورط في الهلكة . ووصفه بالمتانة لقوة أثر إحسانه في التسبب للهلاك . المغرم الغرامة : أي لم تطلب منهم على الهداية والتعليم أجرا فيثقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم فيثبطهم ذلك عن الإيمان ( أم عندهم الغيب ) أي اللوح ( فهم يكتبون ) منه ما يحكمون به ( لحكم ربك ) وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم ( ولا تكن كصاحب الحوت ) يعنى يونس عليه السلام ( إذ نادى ) في بطن الحوت ( وهو مكظوم ) مملوء غيظا من كظم السقاء إذا ملأه ، والمعنى : لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة فتبتلى ببلائه . حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في تداركه . وقرأ ابن عباس وابن مسعود تداركته ، وقرأ الحسن تداركه : أي تتداركه على حكاية الحال الماضية بمعنى لولا أن كان يقال فيه تتداركه كما يقال كان زيد سيقوم فمنعه فلان : أي كان يقال فيه سيقوم ، والمعنى : كان متوقعا منه القيام . ونعمة ربه أن أنعم عليه بالتوفيق للتوبة وتاب عليه ، وقد اعتمد في جواب لولا على الحال أعني قوله ( وهو مذموم ) يعنى أن حاله كانت على خلاف الذم حين نبذ بالعراء ولولا توبته لكانت حاله على الذم . روى أنها نزلت بأحد حين حل برسول الله صلى الله عليه وسلم ما حل به فأراد أن يدعو على الذين انهزموا . وقيل حين أراد أن يدعو على ثقيف ، وقرئ رحمة من ربه ( فاجتباه ربه ) فجمعه إليه وقربه بالتوبة عليه كما قال - ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى - ( فجعله من الصالحين ) أي من الأنبياء . وعن ابن عباس : رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه . أن مخففة من الثقيلة واللام علمها . وقرئ ليزلقونك بضم الياء وفتحها وزلقه وأزلقه بمعنى ، ويقال زلق الرأس وأزلقه حلقه ، وقرئ ليزهقونك من زهقت نفسه وأزهقها : يعنى أنهم من شدة تحديقهم ونظرهم إليك شزرا بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك من قولهم نظر إلى نظرا يكاد يصرعني ويكاد يأكلني : أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله ، قال : يتقارضون إذا التقوا في موطن * نظرا يزل مواطئ الأقدام وقيل كانت العين في بنى أسد فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شئ فيقول فيه : لم أر كاليوم مثله إلا عانة ، فأريد بعض العيانين على أن يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ، فقال : لم أر كاليوم رجلا فعصمه الله . وعن الحسن : دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية ( لما سمعوا الذكر ) أي القرآن لم يملكوا أنفسهم حسدا على ما أوتيت من النبوة ( ويقولون إنه لمجنون ) حيرة في أمره وتنفيرا عنه وإلا فقد علموا أنه أعقلهم ، والمعنى : أنهم جننوه لأجل القرآن ( وما هو إلا ذكر ) وموعظة ( للعالمين ) فكيف يجنن من جاء بمثله . عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة القلم أعطاه الله ثواب الذين حسن الله أخلاقهم " .