وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون . فإذا قضيت الصلاة فانتشروا
في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون . وإذا رأوا
تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن
التجارة والله خير الرازقين .
شرح
ذكر الله ، فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم وأثناء عليهم والدعاء لهم وهم أحقاء بعكس ذلك فمن ذكر
الشيطان وهو من ذكر الله على مراحل ، وإذا قال المنصت للخطبة لصاحبه صه فقد لغا ، أفلا يكون الخطيب
الغالي في ذلك لاغيا ؟ نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام . أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل
الدنيا ، وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم وينصبون إلى المصر من
كل أوب ، ووقت هبوطهم واجتماعهم واختصاص الأسواق بهم إذا انتفخ النهار وتعالى الضحى ودنا وقت
الظهيرة ، وحينئذ تحر التجارة ويتكاثر البيع والشراء ، فلما كان ذك الوقت مظنة الذهول بالبيع عن ذكر الله
والمضي إلى المسجد ، قيل لهم بادروا تجارة الآخرة واتركوا تجارة الدنيا واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شئ أنفع منه
وأربح ( وذروا البيع ) الذي نفعه يسير وربحه مقارب . فإن قلت : فإذا كان البيع في هذا الوقت مأمورا بتركه
محرما فهل هو فاسد ؟ قلت : عامة العلماء على أن ذلك لا يوجب فساد البيع ، قالوا : لأن البيع لم يحرم لعينه ، ولكن
لما فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب والوضوء بماء مغصوب .
وعن بعض الناس أنه فاسد . ثم أطلق لهم ما حظر عليهم بعد قضاء الصلاة من الانتشار وابتغاء الربح مع التوصية
بإكثار الذكر ، وأن لا يلهيهم شئ من تجارة ولا غيرها عنه ، وأن تكون هممهم في جميع أحوالهم وأوقاتهم موكلة
به لا يتفصون عنه لأن فلاحهم فيه وفوزهم منوط به . وعن ابن عباس : لم يؤمروا بطلب شئ من الدنيا ، إنما
هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيادة أخ في الله ، وعن الحسن وسعيد بن المسيب : طلب العلم ، وقيل صلاة
التطوع . وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشئ من أمور الدنيا نظرا في هذه الآية . روى " أن أهل
المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد ، فقدم دحية بن خليفة بتجارة من زيت الشأم والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب
يوم الجمعة ، فقاموا إليه خشوا أن يسبقوا إليه فما بقي معه إلا يسير ، قيل ثمانية وأحد عشر واثنا عشر وأربعون ،
فقال عليه الصلاة والسلام : والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا " وكانوا إذا
أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهو المراد باللهو . وعن قتادة : فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل مقدم عير :
فإن قلت : فإن اتفق تفرق الناس عن الإمام في صلاة الجمعة كيف يصنع ؟ قلت : إن بقي وحده أو مع أقل من ثلاثة
فعند أبي حنيفة يستأنف الظهر إذا نفروا عنه قبل الركوع ، وعن صاحبيه إذا كبر وهم معه مضى فيها ، وعند زفر إذا
نفروا قبل التشهد بطلت . فإن قلت : كيف قال ( إليها ) وقد ذكر شيئين ؟ قلت : تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا