تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
وهو العزيز الحكيم . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدى القوم الظالمين . قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين . قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم
شرح
أوله ، فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه ( وهو العزيز الحكيم ) في تمكينه رجلا أميا من ذلك الأمر العظيم وتأييده عليه واختياره إياه من بين كافة البشر ( ذلك ) الفضل الذي أعطاه محمدا وهو أن يكون نبي أبناء عصره ونبي أبناء العصور الغوابر ، هو ( فضل الله يؤتيه من يشاء ) إعطاءه وتقتضيه حكمته . شبه اليهود في أنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها ثم إنهم غير عاملين بها ولا منتفعين بآياتها ، وذلك أن فيها نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به ولم يؤمنوا به - بالحمار حمل أسفارا : أي كتبا كبارا من كتب العلم فهو يمشى بها ولا يدرى منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب ، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله وبئس المثل ( بئس ) مثلا ( مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله ) وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . ومعنى حملوا التوراة : كلفوا علمها والعمل بها . ثم لم يحملوها : ثم لم يعملوا بها فكأنهم لم يحملوها . وقرئ حملوا التوراة : أي حملوها ثم لم يحملوها في الحقيقة لفقد العمل . وقرئ يحمل الأسفار . فإن قلت : يحمل ما محله ؟ قلت : النصب على الحال أو الجر على الوصف لأن الحمار كاللئيم في قوله : * ولقد أمر على اللئيم يسبني * هاد يهود إذا تهود ( أولياء الله ) كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه : أي إن كان قولكم حقا وكنتم على ثقة ( فتمنوا ) على الله أن يميتكم وينقلكم سريعا إلى دار كرامته التي أعدها لأوليائه ، ثم قال ( ولا يتمنونه أبدا ) بسبب ما قدموا من الكفر وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه " فلو لا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لتمنوا ، ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد فما تمالك أحد منهم أن يتمنى وهى إحدى المعجزات . وقرئ فتمنوا الموت بكسر الواو تشبيها بلو استطعنا . ولا فرق بين لا ولن في أن كل واحدة منهما نفى للمستقبل ، إلا أن في لن تأكيدا وتشديدا ليس في لا فأتى مرة بلفظ التأكيد ولن يتمنوه ، ومرة بغير لفظه ولا يتمنونه ثم قيل لهم ( إن الموت الذي تفرون منه ) ولا تجسرون أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفر كم لا تفوتونه وهو ملاقيكم لا محالة ( ثم تردون ) إلى الله فيجازيكم بما أنتم أهله من