وهو العزيز الحكيم . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .
مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس
مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدى القوم الظالمين . قل يا أيها الذين
هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين
ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين . قل إن الموت الذي
تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم
شرح
أوله ، فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه ( وهو العزيز الحكيم ) في تمكينه رجلا أميا من ذلك الأمر العظيم وتأييده
عليه واختياره إياه من بين كافة البشر ( ذلك ) الفضل الذي أعطاه محمدا وهو أن يكون نبي أبناء عصره ونبي أبناء
العصور الغوابر ، هو ( فضل الله يؤتيه من يشاء ) إعطاءه وتقتضيه حكمته . شبه اليهود في أنهم حملة التوراة وقراؤها
وحفاظ ما فيها ثم إنهم غير عاملين بها ولا منتفعين بآياتها ، وذلك أن فيها نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة
به ولم يؤمنوا به - بالحمار حمل أسفارا : أي كتبا كبارا من كتب العلم فهو يمشى بها ولا يدرى منها إلا ما يمر بجنبيه
وظهره من الكد والتعب ، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله وبئس المثل ( بئس ) مثلا ( مثل القوم الذين كذبوا
بآيات الله ) وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . ومعنى حملوا التوراة :
كلفوا علمها والعمل بها . ثم لم يحملوها : ثم لم يعملوا بها فكأنهم لم يحملوها . وقرئ حملوا التوراة : أي حملوها
ثم لم يحملوها في الحقيقة لفقد العمل . وقرئ يحمل الأسفار . فإن قلت : يحمل ما محله ؟ قلت : النصب على الحال
أو الجر على الوصف لأن الحمار كاللئيم في قوله : * ولقد أمر على اللئيم يسبني * هاد يهود إذا تهود ( أولياء
الله ) كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه : أي إن كان قولكم حقا وكنتم على ثقة ( فتمنوا ) على الله أن يميتكم
وينقلكم سريعا إلى دار كرامته التي أعدها لأوليائه ، ثم قال ( ولا يتمنونه أبدا ) بسبب ما قدموا من الكفر وقد
قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه " فلو لا أنهم كانوا
موقنين بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لتمنوا ، ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد
فما تمالك أحد منهم أن يتمنى وهى إحدى المعجزات . وقرئ فتمنوا الموت بكسر الواو تشبيها بلو استطعنا . ولا
فرق بين لا ولن في أن كل واحدة منهما نفى للمستقبل ، إلا أن في لن تأكيدا وتشديدا ليس في لا فأتى مرة بلفظ
التأكيد ولن يتمنوه ، ومرة بغير لفظه ولا يتمنونه ثم قيل لهم ( إن الموت الذي تفرون منه ) ولا تجسرون أن تتمنوه
خيفة أن تؤخذوا بوبال كفر كم لا تفوتونه وهو ملاقيكم لا محالة ( ثم تردون ) إلى الله فيجازيكم بما أنتم أهله من