أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا . ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل
الملائكة تنزيلا . الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا .
شرح
بالمنثور منه لأنك تراه منتظما مع الضوء ، فإذا حركته الريح رأيته قد تناثر وذهب كل مذهب ، ونحوه قوله
- كعصف مأكول - لم يكف أن شبههم بالعصف حتى جعله مؤوفا بالاكال ، ولا أن شبه عملهم بالهباء حتى جعله
متناثرا ، أو مفعول ثالث لجعلناه : أي فجعلناه جامعا لحقارة الهباء والتناثر كقوله - كونوا قردة خاسئين - أي
جامعين للمسخ والخس ء ؟ . ولام الهباء واو بدليل الهبوة . المستقر : المكان الذي يكونون فيه في أكثر أوقاتهم
مستقرين يتجالسون ويتحادثون . والمقيل : المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم والتمتع بمغازلتهن
وملامستهن ، كما أن المترفين في الدنيا يعيشون على ذلك الترتيب . وروى أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم
فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ، وفي معناه قوله تعالى - إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون . هم
وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون - قيل في تفسير الشغل : افتضاض الابكار ولا نوم في الجنة ، وإنما
سمى مكان دعتهم واسترواحهم إلى الحور مقيلا على طريق التشبيه . وفى لفظ الأحسن رمز إلى ما يتزين به مقيلهم
من حسن الوجوه وملاحة الصور إلى غير ذلك من التحاسين والزين . وقرئ ( تشقق ) والأصل تتشقق فحذف
بعضهم التاء وغيره أدغمها ، ولما كان انشقاق السماء بسبب طلوع الغمام منها جعل الغمام كأنه الذي تشقق به السماء
كما تقول : شق السنام بالشفرة وانشق بها ، ونظيره قوله تعالى - السماء منفطر به - فإن قلت : أي فرق بين قولك
انشقت الأرض بالنبات وانشقت عن النبات ؟ قلت : معن انشقت به أن الله شقها بطلوعه فانشقت به ، ومعنى
انشقت عنه أن التربة ارتفعت عنه عند طلوعه ، والمعنى : أن السماء تنفتح بغمام يخرج منها ، وفي الغمام الملائكة
ينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد . وروى تنشق سماء سماء وتنزل الملائكة إلى الأرض . وقيل هو غمام أبيض
رقيق مثل الضبابة ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم ، وفى معناه قوله تعالى - هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل
من الغمام والملائكة - وقرئ وننزل الملائكة وننزل الملائكة ونزل الملائكة ونزلت الملائكة وأنزل
الملائكة ونزل الملائكة ونزل الملائكة على حذف النون الذي هو فاء الفعل من ننزل قراءة أهل مكة . الحق الثابت
لان كل ملك يزول يومئذ ويبطل ولا يبقى إلا ملكه . عض اليدين والأنامل والسقوط في اليد وأكل البنان وحرق
الأسنان والارم وقرعها كنايات عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفها ، فيذكر الرادفة ويدل بها على المردوف
فيرتفع الكلام به في طبقة الفصاحة ويجد السامع عنده في نفسه من الروعة والاستحسان مالا يجده عند لفظ المكنى
عنه . وقيل نزلت في عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس ، وكان يكثر مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقيل اتخذ ضيافة فدعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل ،
وكان أبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال : صبأت يا عقبة ، قال : لا ولكن آلى أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي
فاستحييت منه فشهدت له ، والشهادة ليست في نفسي ، فقال : وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا فلم
تطأ قفاه وتبزق في وجهه وتلطم عينه ، فوجده ساجد في دار الندوة ففعل ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف ، فقتل يوم بدر ، أمر عليا رضي الله عنه بقتله . وقيل قتله