ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أوليا
أولئك في ضلال مبين . أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم
يعى بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى بلى إنه على كل شئ قدير . ويوم
يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا
العذاب بما كنتم تكفرون . فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل
لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك
إلا القوم الفاسقون .
شرح
في حكم بني آدم لأنهم مكلفون مثلهم ( فليس بمعجز في الأرض ) أي لا ينجى منه مهرب ولا يسبق قضاءه سابق
ونحوه قوله تعالى - وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا - ( بقادر ) محله الرفع لأنه خبر أن يدل
عليه قراءة عبد الله قادر ، وإنما دخلت الباء لاشتمال النفي في أول الآية على أن وما في حيزها . وقال الزجاج : لو
قلت ما ظننت أن زيدا بقائم جاز كأنه قيل - أليس الله بقادر - ألا ترى إلى وقوع بلى مقررة للقدرة على كل شئ
من البعث وغيره لا لرؤيتهم . وقرئ يقدر . ويقال عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه ومنه - أفعيينا بالخلق الأول -
( أليس هذا بالحق ) محكى بعد قول مضمر وهذا المضمر هو ناصب الظرف ، وهذا إشارة إلى العذاب بدليل قوله
تعالى - فذوقوا العذاب - والمعنى : التهكم بهم والتوبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله ووعيده وقولهم - وما نحن
بمعذبين - ( أولوا العزم ) أولو الجد والثبات والصبر ، و ( من ) يجوز أن تكون للتبعيض ويراد بأولى العزم بعض
الأنبياء ، قيل هم نوح صبر على أذى قومه كانوا يضربونه حتى يغشى عليه ، وإبراهيم على النار وذبح ولده ،
وإسحق على الذبح ، ويعقوب على فقد ولده وذهاب بصره ، ويوسف على الجب والسجن ، وأيوب على الضر ،
وموسى قال له قومه - إنا لمدركون قال كلا إن معي ربى سيهدين - وداود بكى على خطيئته أربعين سنة ، وعيسى
لم يضع لبنة على لبنة وقال إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها ، وقال الله تعالى في آدم - ولم نجد له عزما - وفى يونس
- ولا تكن كصاحب الحوت - ويجوز أن تكون للبيان فيكون أولو العزم صفة الرسل كلهم ( ولا تستعجل ) لكفار
قريش بالعذاب - أي لا تدع لهم بتعجيله فإنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر ، وإنهم مستقصرون حينئذ مدة لبثهم
في الدنيا حتى يحسبوها ( ساعة من نهار بلاغ ) أي هذا الذي وعظتم به كفاية في الموعظة ، أو هذا تبليغ من الرسول
عليه الصلاة والسلام ( فهل يهلك ) إلا الخارجون عن الاتعاظ به والعمل بموجبه . ويدل على معنى التبليغ قراءة
من قرأ بلغ فهل يهلك ، وقرئ بلاغا : أي بلغوا بلاغا ، وقرئ يهلك بفتح الياء وكسر اللام وفتحها من هلك وهلك
ونهلك بالنون إلا القوم الفاسقين . عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر
حسنات بعدد كل رملة في الدنيا " .