أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك
ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل
الله فلن يضل أعمالهم . سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم .
شرح
في قوله تعالى - فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان - ( أثخنتموهم ) أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الشئ
الثخين وهو الغليظ ، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى أذهبتم عنهم النهوض ( فشدوا الوثاق ) فأسروهم والوثاق
بالفتح والكسر اسم ما يوثق به . منا وفداء منصوبان بفعليهما مضمرين : أي فإما تمنون منا وإما تفدون فداء ،
والمعنى : التخيير بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم وبين أن يفادوهم فإن قلت : كيف حكم أسارى
المشركين ؟ قلت : أما عند أبي حنيفة وأصحابه فأحد أمرين : إما قتلهم ، وإما استرقاقهم أيهما رأى الإمام ،
ويقولون في المن والفداء المذكورين في الآية نزل ذلك في يوم بدر ثم نسخ . وعن مجاهد : ليس اليوم من ولا
فداء ، وإنما هو الإسلام أو ضرب العنق ، ويجوز أن يراد بالمن أن يمن عليهم بترك القتل ويسترقوا ، أو يمن عليهم
فيخلوا لقبولهم الجزية وكونهم من أهل الذمة . وبالفداء أن يفادى بأساراهم أسارى المشركين ، فقد رواه الطحاوي
مذهبا عن أبي حنيفة والمشهور أنه لا يرى فداءهم لا بمال ولا بغيره خيفة أن يعودوا حربا للمسلمين ، وأما الشافعي
فيقول : للإمام أن يختار أحد أربعة على حسب ما اقتضاه نظره للمسلمين وهو القتل والاستقرقاق والفداء بأسارى
المسلمين والمن . ويحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من على أبى عروة الحجى وعلى ابن أنال الحنفي وفادى
رجلا برجلين من المشركين ، وهذا كله منسوخين عند أصحاب الرأي . وقرئ فدى بالقصر مع فتح الفاء . أوزار
الحرب : آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع ، قال الأعشى :
وأعددت للحرب أوزارها * رماحا طوالا وخيلا ذكورا
وسميت أوزارها لأنه لم يكن لها بد من جرها فكأنها تحملها وتستقل بها . فإذا انقضت فكأنها وضعتها ،
وقيل أوزارها آثامها : يعنى حتى يترك أهل الحرب وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا . فإن قلت :
حتى بم تعلقت ؟ قلت : لا تخلو إما أن تتعلق بالضرب والشد أو بالمن والفداء ، فالمعنى على كلا المتعلقين عند
الشافعي رضي الله عنه أنهم لا يزالون على ذلك أبدا إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة ،
وقيل إذا نزل عيسى بن مريم عليه السلام . وعند أبي حنيفة رحمه الله : إذا علق بالضرب والشد ، فالمعنى : أنهم
يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار وذلك حين لا تبقى شوكة للمشركين . وإذا علق بالمن والفداء
فالمعنى : أنه يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها إلا أن يتأول المن والفداء بما ذكرنا من التأويل
( ذلك ) أي الأمر ذلك ، أو افعلوا ذلك ( لانتصر منهم ) لأنتقم منهم ببعض أسباب الهلك من خسف أو رجفة أو
حاصب أو غرق أو موت جارف ( ولكن ) أمركم بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوا ويصبروا حتى
يستوجبوا الثواب العظيم ، والكافرين بالمؤمنين بأن يعالجهم على أيديهم ببعض ما وجب لهم من العذاب . وقرئ
قتلوا بالتخفيف والتشديد وقتلوا وقاتلوا . وقرئ فلن يضل أعمالهم وتضل أعمالهم على النباء للمفعول ، ويضل
أعمالهم من ضل . وعن قتادة أنها نزلت في يوم أحد ( عرفها لهم ) أعلمها لهم وبينها بما يعلم به كل أحد منزلته ودرجته