ذق إنك أنت العزيز الكريم . إن هذا ما كنتم به تمترون . إن المتقين في مقام
أمين . في جنات وعيون . يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين . كذلك
وزوجناهم بحور عين . يدعون فيها بكل فاكهة آمنين . لا يذوقون فيها الموت إلا
الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم . فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم .
شرح
فذكر العذاب معلقا به الصب مستعارا له ليكون أهول وأهيب . يقال ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) على سبيل
الهزؤ والتهكم بمن كان يتعزز ويتكرم على قومه . وروى " أن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بين
جبليها أعز ولا أكرم منى ، فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا " وقرئ أنك بمعنى لأنك . وعن
الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قرأ به على المنبر ( إن هذا ) العذاب ، أو إن هذا الأمر هو ( ما كنتم به تمترون )
أي تشكون ، أو تتمارون وتتلاجون قرئ في مقام بالفتح وهو مرضع القيام والمراد المكان ، وهو من الخاص
الذي وقع مستعملا في معنى العموم وبالضم وهو موضع الإقامة . والأمين من قولك أمن الرجل أمانة فهو أمين
وهو ضد الخائن ، فوصف به المكان استعارة لأن المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما يلقى فيه من المكاره . قيل
السندس مارق من الديباج . والإستبرق ما غلظ منه وهو تعريب إستبر . فإن قلت : كيف ساغ أن يقع في القرآن
العربي المبين لفظ أعجمي ؟ قلت : إذا عرب خرج من أن يكون عجميا ، لأن معنى التعريب أن يجعل عربيا
بالتصرف فيه وتغييره عن منهاجه وإجرائه على أوجه الإعراب ( كذلك ) الكاف مرفوعة على الأمر كذلك ، أو
منصوب على مثل ذلك أثبناهم ( وزوجناهم ) وقرأ عكرمة بحور عين على الإضافة ، والمعنى : بالحور من العين
لأن العين إما أن تكون حورا أو غير حور ، فهؤلاء من الحور العين لا من شهلهن مثلا . وفى قراءة عبد الله بعيس
عين والعيساء البيضاء تعلوها حمرة . وقرأ عبيد بن عمير : لا يذاقون فيها الموت . وقرأ عبد الله : لا يذوقون فيها طعم
الموت . فإن قلت : كيف استثنيت الموتة الأولى المذوقة قبل دخول الجنة من الموت المنفى ذوقه فيها ؟ قلت : أريد
أن يقال لا يذوقون فيها الموت البتة ، فوضع قوله إلا الموتة الأولى موضع ذلك لأن الموتة الماضية محال ذوقها
في المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل : إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها
وقرئ ووقاهم بالتشديد ( فضلا من ربك ) عطاء من ربك وثوابا : يعنى كل ما أعطى المتقين من نعيم الجنة والنجاة