فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين . ولقد نجينا بني إسرائيل
من العذاب المهين . من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين . ولقد اخترناهم على
علم على العالمين . وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين ، إن هؤلاء ليقولون
إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين .
شرح
ولاء ، وهم بنو إسرائيل كانوا متسخرين مستعبدين في أيديهم فأهلكهم الله على أيديهم وأورثهم ملكهم وديارهم
إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيم مهلكه : بكت عليه السماء والأرض وبكته الريح وأظلمت له
الشمس ، وفى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه
السماء والأرض " وقال جرير * تبكى عليك نجوم الليل والقمرا * وقالت الخارجية :
أيا شجر الخابور مالك مورقا * كأنك لم تجزع على ابن طريف
وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه ، وكذلك ما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما
من بكاء مصلى المؤمن وآثاره في الأرض ومصاعد عمله ومهابط رزقه في السماء تمثيل ، ونفى ذلك عنهم
في قوله تعالى ( فما بكت عليهم السماء والأرض ) فيه تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال فيه :
بكت عليه السماء والأرض . وعن الحسن : فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين :
يعنى فما بكى عليهم السماء وأهل الأرض ( وما كانوا منظرين ) لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر
ولم يمهلوا إلى الآخرة بل عجل لهم في الدنيا ( من فرعون ) بدل من العذاب المهين كأنه في نفسه كان عذابا مهينا
لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم . ويجوز أن يكون المعنى : من العذاب المهين واقعا من جهة فرعون . وقرئ من عذاب
المهين ، ووجهه أن يكون تقدير قوله من فرعون من عذاب فرعون حتى يكون المهين هو فرعون . وفى قراءة ابن
عباس من فرعون لما وصف عذاب فرعون بالشدة والفظاعة قال من فرعون على معنى هل تعرفونه من هو في
عتوه وشيطنته ، ثم عرف حاله في ذلك بقوله ( إنه كان عاليا من المسرفين ) أي كبيرا رفيع الطبقة ومن بينهم فائقا
لهم بليغا في إسرافه أو عاليا متكبرا كقوله تعالى - إن فرعون علا في الأرض - ومن المسرفين خبر ثان كأنه قيل :
إنه كان متكبرا مسرفا . الضمير في ( اخترناهم ) لبني إسرائيل ، و ( على علم ) في موضع الحال : أي عالمين بمكان
الخيرة وبأنهم أحقاء بأن يختاروا ، ويجوز أن يكون المعنى : مع علم منا بأنهم يزيغون ويفرط منهم الفرطات في بعض
الأحوال ( على العالمين ) على عالمي زمانهم ، وقيل على الناس جميعا لكثرة الأنبياء منهم ( من الآيات ) من نحو فلق
البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك من الآيات العظام التي لم يظهر الله في غيرهم مثلها ( بلاء
مبين ) نعمة ظاهرة لأن الله تعالى يبلو بالنعمة كما يبلو بالمصيبة ، أو اختبار ظاهر لينظر كيف تعملون كقوله تعالى
- وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم - ( هؤلاء ) إشارة إلى كفار قريش . فإن قلت : كان الكلام واقعا في الحياة الثانية
لا في الموت فهلا قيل : إن هي الا حياتنا الأولى وما نحن بمنشرين كما قيل - إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين -
وما معنى قوله ( إن هي إلا موتتنا الأولى ) وما معنى ذكر الأولى كأنهم وعدوا موتة أخرى حتى نفوها وجحدوها