تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون . إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم . إن شجرة الزقوم . طعام الأثيم . كالمهل تغلى في البطون كغلى الحميم . خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم . ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم .
شرح
ويوم الفصل خبرها : أي أن ميعاد حسابهم وجزائهم في يوم الفصل ( لا يعنى مولى ) أي مولى كان من قرابة أو غيرها ( عن مولى ) عن أي مولى كان ( شيئا ) من إغناء : أي قليلا منه ( ولا هم ينصرون ) الضمير للموالى لأنهم في المعنى كثير لتناول اللفظ على الإبهام والشياع كل مولى ( إلا من رحم الله ) في محل الرفع على البدل من الواو في ينصرون : أي لا يمنع من العذاب إلا من رحمه الله ، ويجوز أن ينتصب على الاستثناء ( إنه هو العزيز ) لا ينصر منه من عصاه ( الرحيم ) لمن أطاعه . قرئ إن شجرت الزقوم بكسر الشين وفيها ثلاث لغات شجرة بفتح الشين وكسرها وشيرة بالياء . وروى أنه لما نزل أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ؟ قال ابن الزبعرى : إن أهل اليمن يدعون أكل الزبد والتمر التزقم ، فدعا أبو جهل بتمر وزبد فقال : تزقموا فإن هذا هو الذي يخوفكم به محمد فنزل ( إن شجرت الزقوم طعام الأثيم ) وهو الفاجر الكثير الآثام . وعن أبي الدرداء أنه كان يقرئ رجلا فكان يقول طعام اليتيم ، فقال : قل طعام الفاجر يا هذا . وبهذا يستدل على أن إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها . ومنه أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة وهى أن يؤدى القارئ المعاني على كمالها من غير أن يخرم منها شيئا . قالوا : وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة ، لأن في كلام العرب خصوصا في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه من لطائف المعاني والأغراض ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها . وما كان أبو حنيفة رحمه الله يحسن الفارسية فلم يكن ذلك منه عن تحقق وتبصر . وروى علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل قول صاحبيه في إنكار القراءة بالفارسية ( كالمهل ) قرئ بضم الميم وفتحها وهو دردي الزيت ويدل عليه قوله تعالى - يوم تكون السماء كالمهل - مع قوله - فكانت وردة كالدهان - وقيل هو ذائب الفضة والنحاس والكاف رفع خبر بعد خبر ، وكذلك ( تغلى ) وقرئ بالتاء للشجرة وبالياء للطعام ، و ( الحميم ) الماء الحار الذي انتهى غليانه . يقال للزبانية ( خذوه فاعتلوه ) فقودوه بعنف وغلظة وهو أن يؤخذ بتلبيب الرجل فيجر إلى حبس أو قتل ومنه العتل وهو الغليظ الجافي ، وقرئ بكسر التاء وضمها ( إلى سواء الجحيم ) إلى وسطها ومعظمها . فإن قلت : هلا قيل صبوا فوق رأسه من الحميم كقوله تعالى - يصب من فوق رؤوسهم الحميم - لأن الحميم هو المصبوب لا عذابه ؟ قلت : إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدته ، إلا أن صب العذاب طريقه الاستعارة كقوله : * صبت عليه صروف الدهر من صبب * وكقوله تعالى - أفرغ علينا صبرا -
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 506 | الزمخشري