إنا كنا مرسلين . رحمة من ربك إنه هو السميع العليم . رب السماوات والأرض
وما بينهما إن كنتم موقنين . لا إله إلا هو يحيى ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين
بل هم في شك يلعبون . فارتقب يوم تأتى .
شرح
وكتبه فقد أمر به وأوجبه ، أو يكون حالا من أحد الضميرين في أنزلناه ، إما من ضمير الفاعل : أي أنزلناه آمرين
أمرا ، أو من ضمير المفعول : أي أنزلناه في حال كونه أمرا من عندنا بما يجب أن يفعل . فإن قلت : ( إنا كنا
مرسلين رحمة من ربك ) بم يتعلق ؟ قلت : يجوز أن يكون بدلا من قوله - إنا كنا منذرين - ورحمة من ربك مفعولا
له على معنى : إنا أنزلنا القرآن لأن من شأننا إرسال الرسل بالكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة عليهم وأن يكون تعليلا
ليفرق ، أو لقوله أمرا من عندنا ورحمة مفعولا به ، وقد وصف الرحمة بالإرسال كما وصفها به في قوله تعالى - وما
يمسك فلا مرسل له من بعده - أي يفصل في هذه الليلة كل أمر أو تصدر الأوامر من عندنا ، لأن من عادتنا أن
نرسل رحمتنا ، وفصل كل أمر من قسمة الأرزاق وغيرها من باب الرحمة ، وكذلك الأوامر الصادرة من جهته عز
وعلا ، لأن الغرض في تكليف العباد تعريضهم للمنافع ، والأصل إنا كنا مرسلين رحمة منا ، فوضع الظاهر موضع
الضمير إيذانا بأن الربوبية تقتضى الرحمة على المربوبين ، وفى قراءة زيد بن علي أمر من عندنا على هو أمر ، وهى
تنصر انتصابه على الاختصاص . وقرأ الحسن رحمة من ربك على تلك رحمة ، وهى تنصر انتصابها بأنها مفعول له
( إنه هو السميع العليم ) وما بعده تحقيق لربوبيته وأنها لا تحق إلا لمن هذه أوصافه . وقرئ رب السماوات ربكم
ورب آبائكم بالجر بدلا من ربك . فإن قلت : ما معنى الشرط الذي هو قوله ( إن كنتم موقنين ) ؟ قلت : كانوا
يقرون بأن للسموات والأرض ربا وخالقا ، فقيل لهم : إن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب ، ثم قيل :
إن هذا الرب هو السميع العليم الذي أنتم مقرون به ومعترفون بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما إن كان
إقراركم عن علم وإيقان ، كما تقول : إن هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه واشتهر وإسخاؤه إن بلغك حديثه
وحدثت بقصته ، ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله ( بل هم في شك يلعبون ) وأن إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن
ولا عن جد وحقيقة بل قول مخلوط بهزوء ولعب ( يوم تأتى السماء ) مفعول به مرتقب يقال رقبته وارتقبته نحو
نظرته وانتظرته . واخلتف في الدخان ، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبه أخذ الحسن أنه دخان يأتي من
السماء قبل يوم القيامة يدخل في أسماع الكفرة حتى يكون رأس الواحد منهم كالرأس الحنيذ ، ويعترى المؤمن منه
كهيئة الزكام ، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم
" أول الآيات الدخان ، ونزول عيسى بن مريم ، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر ، قال
حذيفة : يا رسول الله وما الدخان ؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يملأ ما بين المشرق والمغرب ،
يمكث أربعين يوما وليلة ، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة ، وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه
ودبره " وعن ابن مسعود رضي الله عنه " خمس قد مضت : الروم والدخان والقمر والبطشة واللزام " ويروى أنه
قيل لابن مسعود إن قاصا عند أبواب كندة يقول : إنه دخان يأتي يوم القيامة فيأخذ بأنفاس الخلق ، فقال : من
علم علما فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم ، فإن من علم الرجل أن يقول لشئ لا يعلمه الله أعلم ، ثم قال : ألا