السماء بدخان مبين . يغشى الناس هذا عذاب أليم . ربنا اكشف عنا العذاب إنا
مؤمنون . أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين . ثم تولوا عنه وقالوا معلم
مجنون . إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون . يوم نبطش البطشة الكبرى
إنا منتقمون . ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم . أن أدوا إلى
شرح
وسأحدثكم " أن قريشا لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال : " اللهم اشدد وطأتك على
مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف ، فأصابهم الجهد حتى أكلوا الجيف والعلهز ، وكان الرجل يرى بين
السماء والأرض الدخان ، وكان يحدث الرجل فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان ، فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه
وناشدوه الله والرحم وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا ، فلما كشف عنهم رجعوا إلى شركهم "
( بدخان مبين ) ظاهر حاله لا يشك أحد في أنه دخان ( يغشى الناس ) يشملهم ويلبسهم وهو في محل الجر صفة
لدخان ، و ( هذا عذاب ) إلى قوله - مؤمنون - منصوب المحل بفعل مضمر وهو يقولون ويقولون منصوب على
الحال : أي قائلين ذلك ( إنا مؤمنون ) موعدة بالإيمان إن كشف عنهم العذاب ( أنى لهم الذكرى ) كيف
يذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوه من الإيمان إن كشف عنهم العذاب ( وقد جاءهم ) ما هو أعظم وأدخل في
وجوب الادكار من كشف الدخان ، وهو ما ظهر على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات من
الكتاب المعجز وغيره من المعجزات فلم يذكروا . وتولوا عنه وبهتوه بأن عداسا غلاما أعجميا لبعض ثقيف هو
الذي علمه ونسبوه إلى الجنون ، ثم قال ( إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون ) أي ريثما نكشف عنكم العذاب
تعودون إلى شرككم لا تلبثون غب الكشف على ما أنتم عليه من التضرع والابتهال . فإن قلت : كيف يستقيم على
قول من جعل الدخان قبل يوم القيامة قوله - إنا كاشفوا العذاب قليلا ؟ - قلت : إذا أتت السماء بالدخان تضور
المعذبون به من الكفار والمنافقين وغوثوا وقالوا : ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون منيبون ،
فيكشفه الله عنهم
بعد أربعين يوما ، فريثما يكشفه عنهم يرتدون ولا يتمهلون ، ثم قال ( يوم نبطش البطشة الكبرى ) بريد يوم القيامة
كقوله تعالى - فإذا جاءت الطامة الكبرى - ( إنا منتقمون ) أي ننتقم منهم في ذلك اليوم . فإن قلت : بم انتصب
يوم نبطش ؟ قلت : بما دل عليه إنا منتقمون وهو ننتقم ولا يصح أن ينتصب بمنتقمون لأن إن تحجب عن ذلك .
وقرئ نبطش بضم الطاء ، وقرأ الحسن نبطش بضم النون كأنه يحمل الملائكة على أن يبطشوا بهم البطشة الكبرى .
أو يجعل البطشة الكبرى باطشة بهم . وقيل البطشة الكبرى يوم بدر ، وقرئ ولقد فتنا بالتشديد للتأكيد أو لوقوعه
على القوم ، ومعنى الفتنة أنه أمهلهم ووسع عليهم في الرزق فكان ذلك سببا في ارتكابهم المعاصي واقترافهم
الآثام أو ابتلاهم بإرسال موسى إليهم ليؤمنوا فاختاروا الكفر على الإيمان أو سلبهم ملكهم وأغرقهم ( كريم ) على
الله وعلى عباده المؤمنين أو كريم في نفسه لأن الله لم يبعث نبيا إلا من سراة قومه وكرامهم ( أن أدوا إلى ) هي أن
المفسرة ، لأن مجئ الرسول من بعث إليهم متضمن لمعنى القول ، لأنه لا يجيئهم إلا مبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله أو