تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
السماء بدخان مبين . يغشى الناس هذا عذاب أليم . ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون . أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين . ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون . إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون . يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون . ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم . أن أدوا إلى
شرح
وسأحدثكم " أن قريشا لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال : " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف ، فأصابهم الجهد حتى أكلوا الجيف والعلهز ، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان ، وكان يحدث الرجل فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان ، فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا ، فلما كشف عنهم رجعوا إلى شركهم " ( بدخان مبين ) ظاهر حاله لا يشك أحد في أنه دخان ( يغشى الناس ) يشملهم ويلبسهم وهو في محل الجر صفة لدخان ، و ( هذا عذاب ) إلى قوله - مؤمنون - منصوب المحل بفعل مضمر وهو يقولون ويقولون منصوب على الحال : أي قائلين ذلك ( إنا مؤمنون ) موعدة بالإيمان إن كشف عنهم العذاب ( أنى لهم الذكرى ) كيف يذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوه من الإيمان إن كشف عنهم العذاب ( وقد جاءهم ) ما هو أعظم وأدخل في وجوب الادكار من كشف الدخان ، وهو ما ظهر على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات من الكتاب المعجز وغيره من المعجزات فلم يذكروا . وتولوا عنه وبهتوه بأن عداسا غلاما أعجميا لبعض ثقيف هو الذي علمه ونسبوه إلى الجنون ، ثم قال ( إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون ) أي ريثما نكشف عنكم العذاب تعودون إلى شرككم لا تلبثون غب الكشف على ما أنتم عليه من التضرع والابتهال . فإن قلت : كيف يستقيم على قول من جعل الدخان قبل يوم القيامة قوله - إنا كاشفوا العذاب قليلا ؟ - قلت : إذا أتت السماء بالدخان تضور المعذبون به من الكفار والمنافقين وغوثوا وقالوا : ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون منيبون ، فيكشفه الله عنهم بعد أربعين يوما ، فريثما يكشفه عنهم يرتدون ولا يتمهلون ، ثم قال ( يوم نبطش البطشة الكبرى ) بريد يوم القيامة كقوله تعالى - فإذا جاءت الطامة الكبرى - ( إنا منتقمون ) أي ننتقم منهم في ذلك اليوم . فإن قلت : بم انتصب يوم نبطش ؟ قلت : بما دل عليه إنا منتقمون وهو ننتقم ولا يصح أن ينتصب بمنتقمون لأن إن تحجب عن ذلك . وقرئ نبطش بضم الطاء ، وقرأ الحسن نبطش بضم النون كأنه يحمل الملائكة على أن يبطشوا بهم البطشة الكبرى . أو يجعل البطشة الكبرى باطشة بهم . وقيل البطشة الكبرى يوم بدر ، وقرئ ولقد فتنا بالتشديد للتأكيد أو لوقوعه على القوم ، ومعنى الفتنة أنه أمهلهم ووسع عليهم في الرزق فكان ذلك سببا في ارتكابهم المعاصي واقترافهم الآثام أو ابتلاهم بإرسال موسى إليهم ليؤمنوا فاختاروا الكفر على الإيمان أو سلبهم ملكهم وأغرقهم ( كريم ) على الله وعلى عباده المؤمنين أو كريم في نفسه لأن الله لم يبعث نبيا إلا من سراة قومه وكرامهم ( أن أدوا إلى ) هي أن المفسرة ، لأن مجئ الرسول من بعث إليهم متضمن لمعنى القول ، لأنه لا يجيئهم إلا مبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله أو
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 502 | الزمخشري